قصص قصيرة

Wednesday, November 09, 2005

القاصة السورية لبنى ياسين

أصابع جدي
لبنى ياسين
كل يوم ادفن نفسي في السرير لأشعر بيديه تضغطان على رقبتي ...و اشعر بالدموع و قد أصبحت محيطا غرقت بين أمواج حزنه العاتية.
منذ بلغت السابعة من عمري وأمي ترسلني كل يوم إلى جدي في البناء المجاور لنا لآخذ إليه الطعام وآتيها بالأواني الفارغة و لأجيب مطالب جدي التي لم تعرف يوما حدا لبشاعتها.
قبل أن يحدث ما حدث كنت ادخل إليه بقلب مفعم بالحب , أضمه و أقبله و أقفز حوله كأرنب صغير و أخطف منه أصابع الحلوى بفرح طفولي غامر ... بعدها صرت ادخل إليه مفعمة بالهم و الأسى , ذلك الهم الذي كنت صغيرة جدا على إدراكه , لكنه أدركني , و اخرج من منزله غارقة بالشعور بالذنب و بشعور بشع بالقذارة يكتنف كل خلاياي و تجثم صخرة كبيرة فوق صدري و يكتنفني شعور بالغثيان يجعلني أتمنى أن أتقيأ كل قرفي مرة واحدة ...لكنني لا أستطيع , فاجري إلى أمي اطلب منها أن تغسلني فتردني قائلة انه ليس وقت الاستحمام .
لم استطع أن اردعه مرة واحدة , كنت ابتلع قرفي و دموعي و ذلك الشعور القاتل بذنب لم اقترفه بينما أستحيل تدريجيا إلى كائن تجتمع على جسده الصغير كل أنواع القذارة , أمي قالت لي أن الكبار دوما على حق و أن علي أن أطيعهم و لم تخبرني مرة واحدة ماذا افعل إذا شعرت في أعماقي أنهم ليسوا على حق و أن ما يفعلونه قذر جدا و ليس بصواب , أما أبي فقد قال لي مرات و مرات احذري الغريب يا صغيرتي , لا تتكلمي مع الغرباء و لا تقتربي منهم و لا تدعيهم يلمسونك , ووددت لو صرخت مرة واحدة : بل احذر أنت أقرب الناس إليك , احذر أباك , أبعد أصابعه القذرة عن جسدي . لكنني لم افعل , و كثيرا ما سألت نفسي ِلـمَ لم افعل ؟ ِلمَ لم اخبر أمي أو أبى ؟ ِلمَ لم تسألني أمي مرة واحدة عن السبب الذي يجعلني اطلب إليها أن تغسلني كلما عدت من منزل جدي ؟؟!!ليتها فعلت , ربما استطعت أن أبوح لها بالسر الذي زلزل كيان طفولتي و اغتال بريق الفرح من عيني و حول ليلي إلى عرض مستمر من كوابيس دمرت سكون نومي , لكنها لم تفعل.
أخضعني جدي لطقوسه القذرة حتى بلغت الرابعة عشرة , ثم توقف عن ذلك تلقائيا , تراه خاف بعد أن بدت علي معالم الأنوثة أن افهم ما كان يفعله , أم أن الكبر هد البقية الباقية من قذارته ؟ لست ادري ... كل ما اعرفه انه توقف تماما و لم يعد ينظر في عيني أبدا , بل انه كان يتحاشى أن يكلمني و ذلك ما اثلج صدري و أزاح جزء من عبء وجوده الذي اكرهه عن كاهل أعصابي و لو أن نزيف مشاعري لم يتوقف لحظة واحدة .
بدأت سن المراهقة و لم ابدأ معها لعبة الأسرار , ذلك أنني تمرست في تلك اللعبة تماما بفضل جدي و لم يعد صعبا علي أن اخفي نزيفي و جراحي و خوفي و حتى قذارتي ... كل ذلك كان سهل جدا علي ... لكن الصعب كان دخولي إلى سريري حيث تبدأ أصابعه كل ليلة بالإطباق على رقبتي فتتحشرج أنفاسي و أصرخ دون صوت و تغرق مخدتي في دموع الألم و نزيف الأحاسيس.
بعدها تعددت مشاويري برفقة الأصدقاء و بدأت أمارس امتدادات تلك الطقوس , لم يكن جدي هذه المرة من يجبرني , بل كان شيئا خفيا في داخلي يدفعني دفعا لاستجيب لأي إشارة من شاب أو رجل و امضي برفقته و أمتع نفسي بعدها بتمزيقه و اللعب بأعصابه , كنت كتمثال من الجليد لا املك إحساسا تجاه أي واحد منهم و لا حتى قليل من التعاطف كل ما كان يعنيني هو تحطيمهم وإتعاسهم و تمزيق أسرهم و استقرارهم و إفلاسهم و رميهم ورائي, بعدها كنت اشعر بالرضا و الفرح , أشعر أنني انتقمت من جدي و قتلته , كنت اعلم تماما أنني اقتله مع كل دمار اسببه لأحد هؤلاء , و كنت استمتع بقتله و تعذيبه مع كل تدمير اسببه لواحد من جنسه البغيض ... أتلذذ كما يتلذذ طفل بأكل الحلوى .
أعود بعدها لمنزلي لتختفي مشاعر النشوة بمجرد أن تضمني جدران منزلي و أرجع طفلة لم تتجاوز العاشرة و اسمع صوت أمي و هي تردني عن الحمام فينفلت شعوري بالقذارة ليطال كل شئ حتى الطعام , و أعاف كل شئ و امضي إلى سريري و بمجرد أن أخبئ جسدي في وحشة ظلامه أعود لأشعر بأصابع جدي تلتف حول رقبتي فأصرخ دون صوت من جديد .


#####################




1
الموت صمتا

هو كان رجل الاختصار ..رجل القضايا المعلقة ..رجل العبور المار ليلا في قطارات الهروب...رجل النقاط الحازمة التي تنهي السطور بترفع ,تشي هامته الطويلة بنفس أبية, بينما يشي نحوله و لمعان عينيه بطبع ناري ليس من السهل إخماد براكينه.
هي كانت امرأة الخوف..لا تكاد تشغل مكان فاصلة تتكئ بحياء على السطر لتفصل بين جملتين متقاربتين , امرأة الأرض الساكنة ..التي توقفت عن الثورة و ربما عن الدوران منذ عصور..امرأة الرغبات الأرضية بكل ما فيها من تهميش و تضليل.
على هامش الحياة التقيا قليلا ..قليلا بما يكفي للقاء عابر دام دهرا ..بهرها عنفوانه ..شدها كبرياؤه .. ارتعدت إعجابا بتحليقه في سماء الفتنة...بهرته هو بساطتها و أعجبه انبهارها بكل ما فيه.
قالت له : أهلي لن يرضوا بك ..فأنت تنتمي لديانة أخرى ..
قال لها : إن لم تحلقي للسماء ..لن تنزل السماء إليك ..إن لم توغلي في أعماق البحر ..لن يفتح هو لك ذراعيه و يتوجك بانكسار أمواجه عند الغروب حورية بحر... و القرار لك.
هي أرادت أن تكون له ..أرادت أن تكون مثله ..أغرتها فكره الإيغال في الماء الأزرق ..فغادرتهم ذات شمس بدون حقيبة سفر..فقط تركت ملاحظة صغيرة:
- اعذروني ..أريد أن أرى علو السماء ..و عمق البحر ..احبكم جميعا.

طوت مسافات الاختلاف على جناح المحبة... تأبطت كبرياءه .. و ركبا أول طائرة للفرح تقلع باتجاه أحلامهما ..على صوت انبهارها به يعلن أن على ركاب طائرة الشوق حزم أمرهم ..و الصعود إليها.
لم يكن ثمة غيرهما ..على متنها..و بضع تفاصيل أخرى مهملة - لم تكن تستحق التفكير بالنسبة إليه - شغلتها حد الهلوسة ...
ثم هبطت الطائرة على مطار الحياة اليومية ..و على مدرجها الوعر ..بدأت طقوسهما تبدي اختلافاً شرسا و بدأت هي تهوي من علياء السماء ..بسرعة مخيفة.
هي سألته مراراً ..ماذا تحب أن أطبخ للغذاء ؟ هل تريد أن أجهز لك الحمام لدى عودتك؟؟هل يحتاج قميصك إلى غسيل؟؟
هو سألها ..أيكفيك هذا العلو ..أم تريدين أن نحلق أكثر؟ هل كانت السماء زرقاء كما ينبغي لعيون حبيبتي؟؟هل أحببت السير فوق الغمام؟؟كان ثمة هوة كبيرة متسعة بينهما ..لم يستطع أن يبني لها جسرا من دقات قلبه..لم تستطع هي القفز فوق تلك الهوة ..كانت تنفلت من بين يديه ..و هولا يستطيع شيئا لإيقاف ذلك السيل الجارف المار بينهما.
ذات يوم قال لها: دعك من الغذاء ..دعك من قميصي..سأصوم دهرا إن أنت شاركتني حياتي..شاركيني جنوني ..شاركيني حزني ..عمديني بدموعك و سأغدو نبيا ..ابتريني بحزمك و لتتركي بي عاهة لا أبالي ..لا تقفي متفرجة هكذا أريدك معي في كل خطوة اخطوها.
هي ...لم تفهمِ شيئا مما قاله وقفت و هي سادرة اللب ..لم تع ِ ما الذي عليها أن تفعله عدا تجهيز الغذاء و ترتيب أمور المنزل ..فاستفاضت حيرة .
بعد شهور لم يلتقيا فيها إلا على حافة سرير ..لم يتحدثا إلا بضع كلمات ..احضر لها الجريدة التي اعتاد أن يكتب بها ..رماها في حضنها دون أن ينبس ببنت شفة و مضى صامتا نحو سرير الغربة .
فتحت الجريدة ..توجهت إلى زاويته ..كان عنوانها ..الموت صمتا ..تتحدث عن فجيعة الحب غربةً بين حبيبين لا يمتلكان لغة ما .. عن حبيبين يتحدثان لغتين مختلفتين تماما ..عن انتحار الشوق في لوعة الاختلاف ..عن اغتيال العشق في حضرة الصمت ..عن جنازة الحب المتواضعة التي لم تكن تليق أبدا بعلاقة كتلك.
هي ..لمت حقيبة الخيبة ..و عادت أدراجها .. منتعلة حزنها على طائرة الندم.



صَمة مواطن...

يبتلعه المساء... فيوغل في أحشاء الصمت ... ومن ذا الذي يستطيع فرارا إذا عسعس الألم داخل النفس ... و توغلت الأحزان في حنايا الفؤاد ...يتآكل قلبه ...تتساقط أشلاؤه... يتمزق صوته على حدود الزمان و لا من مجيب ...تقوم جاهلية القرن الحادي و العشرين بوأد مشاعره و كرامته...بينما يتجمد القوم متفرجين على طقوس صلب بقايا إنسانيته.
أبعد هذا الموت موت آخر؟؟
أين الملاذ؟؟يريد أن يفتح جناحيه و يهرب من ظمئه .. و من حدود مشاعره ..من عري أوجاعه ...يريد أن يحلق حيث لا أحد... لا أحد أبدا.
ووسط كل تلك البعثرة التي تنتابه ... لم يشعر بنفسه إلا و قضيب من النار الملتهبة يندفع من جوفه ...فإذا به يفتح فاه حد التمزق و يصرخ ملء صوته متقيئاً بكلمة واحدة : لا ...
و ما كاد يغلق فمه و يبتلع الفضاء صوته ...حتى وجد نفسه محاطا بآلاف المسلحين ..ببدلاتهم العسكرية و ملامحهم الجافة جفاف الصحارى ... ترافقهم في هذا الحصار الكلاب البوليسية الضخمة ... تمهيدا لاقتياده إلى (هناك).
وضعوا على عينيه منديلا احكموه جيدا لكي لا يرى ... و ُقيد معصماه... واُلصق شريط عريض فوق فمه ... و مضوا به إلى (هناك).
و (هناك) قام أحدهم بنزع القيود التي كانت على حواسه ... فتح عينيه ليجد نفسه في مكتب فاخر يشغله ضابط ... تتشاجر الشرائط على كتفه لتجد مكانا كافيا لها... و هنالك من هو مثله انتزعت قيوده قبل صاحبنا بدقائق فقط ...
قام أحدهم بطلي إبهامه بسائل قاتم لزج ثم نزع يده و الصقها على ورقة بيضاء و اخذ يضغط عليها و يحركها يمينا و يسارا حتى حصل على صورة كاملة لبصمته... في هذه الأثناء كان الضابط ذو الشرائط الكثيرة ... يطابق بصمة المواطن الذي سبق صاحبنا إلى (هناك) مع بصمة كبيرة تحتل وحدها ... صفحة من الورق المقوى و قد كُبّرت حتى أضحت واضحة تماما بكل تضاريسها... صاح الضابط بأحد العساكر مشيرا إلى المواطن ... (انه هو... المتمرد ... خذوه) .
ثم التفت إلى صاحبنا ... و سحب رسم بصمته الذي كان قد جف ... و طابقه مع نفس البصمة المُكبّرة ... و عاد يقول : (انه هو...المتمرد... خذوه)... و إذا بالعسكري يندفع إليه منقضا ... كما لو أن صاحبنا سبق و صفعه... انتابته الدهشة و الحيرة في آن واحد معا ... قال للضابط بتأدب مفتعل : عفوا يا سيدي ... ألم تتطابق ذات البصمة مع المواطن الذي سبقني ... أجاب الضابط و هو يرتدي ابتسامة تجمع بين التعالي و السخرية : نعم ... و ماذا في ذلك ... بالتأكيد تطابقت مع بصمته ... فهو الآخر متمرد .












































4

لانه لا يراني


سأقص شعري...نعم سأقصه... و ليذهب و رأيه و استبداده إلى أعماق الجحيم , كلما ذكرت ذلك أمامه استشاط غضبا ... و صرخ و ارعد و أزبد ... ما زال يراني طفلة ... لا يدرك أن قسوته و الزمن فعلا بي فعل الشمس بالثمرة الفجة... أنضجاني... حررا المرأة في داخلي فأطلت برأسها من صدري وغزت نارها محاجر عيني ... كل من حولي أحس بالتغيرات التي طرأت علي ... إلا هو ... لا يريد أن يرى إلا طفلة تزوجها منذ بضع عشر سنة ... و أنا لم اعد تلك الطفلة التي كان يلتهم عشاءه ممزوجا بملح كبريائها ... لا يريد أن يشعر بالأنثى التي في داخلي ... يريد أن يغتالها فأظل طفلة ملك يمينه ... لا يعجبه كبرياء المرأة الذي انساب في داخلي ... و اصبغ كل خلية من خلاياي و كل جارحة من جوارحي ... لم يعد بإمكاني أن أبقى طفلة ... لا أستطيع ... ما زال يصر على بقاء شعري طويلا ... يظن انه بإصراره هذا سيسجنني على أبواب طفولتي ... بت امقت شعري ... بعد أن كنت اعشقه و أنا في مقتبل العمر ...حين كنت انثره على ظهري رداءاً ... فينساب شلال جمال اسود يخفي معالم ظهري ... فامشي في الحي مختالة كطاووس ... و أنا اشعر بالنظرات تتكسر على انسيابه المرن ... و تنزلق على طوله , لتتساقط عن آخره مذيلة بكلمات الإطراء المعسولة ... فاكاد ألامس حواف السماء تيها ... لكنني الآن امقته ... نعم امقته ... انه يذكرني باستبداده ... بتجميده لي على ضفاف الطفولة ... ويعلمني بأنه لا يراني ... لا يدرك أي امرأة أنا.
عندما كنت صغيرة ... كنت املك روحا مضيئة متمردة ... لم تكن تقبع داخلي أبدا ... كنا نتسابق أنا و هي على دروب اللهفة حتى حدود الغمام ... لم يحدث أن سبقتها قط ... كانت تتوق إلى المجهول وتهرب باتجاهه ... كانت متمردة حقا ... عنيدة ... وثابة ... لكنه مذ تزوجني أطبق كف سطوته حول عنق تمردي و حبس روحي هناك إلى الأبد.
لا احب قولبته لي في قالب يريده هو ... و اجتثاث ما يطفو مني فوق ذاك القالب ... سأقص شعري و لو كان طلاقي منه ثمنا لذلك ...الآن حتما سأقصه.
ارتديت ثيابي على عجل و قد اعتمل التصميم في داخلي ... و طفقت خارجة من منزلي باتجاه محل الحلاقة النسائية , ترددت في البدء عند اجتياز بابه المزين بصور النساء ذوات الشعر القصير ... خوفا من أن ينهمر غضبه وابل صراخ مجنون يرعبني... يمزقني ... كم يفزعني غضبه ... لكن لا ... يجب أن يعلم أني نضجت ... عليه أن يحس أنني الآن ند لرجولته و عناده ... لم اعد طفلة .
خرجت من محل الحلاقة و قد أزحت عبئا عن كاهل رأسي و قلبي ... فقدت معظم طول شعري ... و ما تبقى منه لا يتجاوز الكتفين ... رميت ورائي شعري و طفولتي في لحظة واحدة ... أتخيل كم سيكون غضبه مدويا ... فيختلج قلبي .
وصلت داري ... لم يكن قد وصل بعد , فانبريت احضر له طعام الغذاء على اكمل وجه يحبه ... احسن وجه على الإطلاق ... فسبب واحد لإغضابه كافٍ تماما ليوم واحد .
سمعت صوت قدميه على الدرج ... بدأت أنفاسي تتحشرج في صدري في شجار للانبثاق السريع والتحرر من فتحتي انفي ... بدأتُ ارتعد كريشة في مهب رياح عاتية ... لكنني سأواجهه ... لن يشعر بخوفي أو بضعفي هذه المرة ... سأقف في وجهه ... لن اختبئ كعادتي تحت اللحاف ... تحاشيا لغضبه الذي ينتزع فتيل الأمان من حياتي بقسوة ... سيرى أخيرا أي تغيير طرأ علي ... لا اقصد شعري بالطبع ... شعري عنوان الكتاب ... و سيجبره ذلك العنوان على فهم المحتوى .
ادخل المفتاح في قفل الباب و أداره ... بينما كانت تتقاذفني مشاعر الخوف و التردد ممزوجة بالتصميم و الحزم ...تحركت ضلفة الباب و انبثق أمامي بجسده الضخم... لم استطع النظر في عينيه ... انتابني ذعر شديد فتجمدت في مكاني دون حراك و اعتراني صقيع غشي جسدي بكامله فرحت ارتجف ... نظر الي ... جال بعينيه فوق خارطة جسدي ... و بعد لحظات من الصمت الموبوء نطق قائلا : ماذا طبخت للغذاء؟؟؟؟؟؟





















5


لن افعل هذا


لم يكن قد مضى اكثر من شهرين على زواجي العرفي ... ربما اكثر قليلا .. لكنها بدت لي فترة طويلة جدا من الوحدة .. و عمرا من الانتظار.
عندما دق بابنا و طلب يدي بشروطه الخاصة جدا فرح أهلي ... نعم فرحوا, إذ أن ذلك الأمير المتواضع الصفات , المنعدم المميزات , عثر أخيرا على عنوان ابنتهم سندريلا التي قارب قطار الزواج أن يفوتها , أو ربما فاتها قليلا .
منذ نعومة أظفاري علمت بما لا يدع مجالا للشك أنني فتاة اقل من عادية ... فلم تكن لي ضفائر أختي الحالكة السواد و لا بشرتها المضيئة و لا عينـاها الحالمتان و لا قامتها الفارعة التي يزينها تناسق قلما حصلت عليه فتاة من عائلتنا .. و لم تدخر عائلتي جهدا في إفهامي بأنها ذات مقاييس عالمية، وربما حازت على شهادة الايزو للمواصفات العالية الجودة , بينما لم امتلك أنا أي شئ يؤهلني لمرتبة الحلم , لذا لم أفكر يوما بفارس الأحلام , و لا حلمت بأمير وسيم يمتطي ظهر حصان ابيض و يختطفني و يطير بي إلى سماء السعادة .
كان حلمي بمستوى مواصفاتي .. شاب عادي أو اقل من عادي في مظهره ينتمي لعائلة متواضعة , ليس لديه من المؤهلات و الشهادات ما يرقى لمستوىً فاخر, يعمل في مجال ما عملا شريفا ... كل ما طمعت به أن يراني شاب متواضع ولو بكل هذه الصفات المتواضعة يمتلك عملا شريفا, وأقسمت في نفسي لأجعلنّ حياته جنـة.
لكن ما حصل انه حتى هذا الشاب , والذي صادف أنه كان أحد جيراننا لم يرني , بل هام بأختي و جن بها , و قوبل طبعا بالرفض بسبب مواصفاته المتواضعة... يومها قال أبى : لو انه طلب يد أمينة - تلك التي هي أنا - ماشي الحال .. أما صباح فبعيـدة عن شاربيـه بعـد المشرق عن المغرب .
أزعجتـني تلك الفكرة يومها و طاردتني و قضت مضجعي ... أن يترفع حتى هذا عن ملاحظتي .. كانت فكرة مؤلمة حد الاحتضار.
ثم تزوج هذا الجار , و دعانا إلى حفل زفافه .. ذهبت مثقلة بأسئلة لا أجوبة لها , عن ذنب لم اقترفه، لارى تلك العروس التي لم تكن تفوقني جمالا مما أثار استغرابي .. لكنها كانت متعلمة وموظفة في إ دارة ما .
و هكذا صفعني جارنا هذا مرتين ........ مرة حين تقدم طالبا يد أختي , و مرة عندما تزوج هذه الأخرى ... فكففت عن التفكير به , أوحتى التفكير بأي شخص , إذ بدا لي ذلك لاحقا ضرباً من ضروب الجنون , فقد برهنت لي الحياة بما لا يدع مجالا للشك , أن صبية مثلي لا تملك رصيدا كافيا من الجمال , ليس لها الحق حتى في التفكير بشاب ما , و إذا ما فعلت فستكون عرضة لسخرية الآخرين , فقد أتحفني أخي الكبير بملخص صغير عن وضعي الخاص قائلا ذات مرة : من سيتقدم للزواج بك ؟ .. أي أعمى؟ .. لا أحد !! ... ستبقـين كـقـفـّة ٍ الهـّم ماكثة فوق صدورنا... فكيف سأجرؤ بعدها على محاولة التفكير بأي شخص أ يّـاً كان و ليس من حولي إلا المبصرون جـدا بكل ما تملكه حاسة النظر من قدرات، بل ليس من حولي أعمى واحد قد يبصرني بعيني قلبه ,عندما تتعذر رؤيتي لجمال لا املكه، أو نظر لا يملكه هـو .
ثم تزوجت أختي ... و تزوجت بعدها صبايا الحارة تباعا , و أنا اُدعى إلى زفافهن واحدة تلو الأخرى ... فتجري أمي الي ... تزينني... تمنعني من ارتداء هذا الثوب لان لونه لا يلائم بشرتي السمراء.. و تقترح علي ارتداء ذاك ... تضع على وجهي طبقات من المساحيق البيضاء في محاولة فاشلة لاخفاء معالمي القاتمة... تكحل عيني و تلون شفتي ... تجبرني بطريقتها الحانية على ارتداء كعب ٍ عال ٍ لكي أبدو أطول قامة مما أنا عليه, حتى أخال أنني كنت أخطو بطريقة مضحكة لفرط طول الكعب , وأنا انفذ كل ما تطلبه دون تذمر و لا حتى قناعة , لكنني و الحق يقال , كانت تتملكني ثقة عمياء أنها ما أرادت لي يوما إلا الخير , حتى حين تكون محاولاتها لعمل ذلك الخير جارحة حتى الصميم .
بعد ذلك بدا لي انه حتى أمي اقتنعت أخيرا أن الكعب العالي و كميات المساحيق المبيضة لم ولن تغير من قدري شيئا , فلم تعد ُتـكرهـني على عمل أي شئ , بينما لزمت أنا طوعا و بملء إرادتي منزلي .. و لم اعد أرافق أمي في المناسبات و الصبحيات و الأعراس ... إذ أن تلك النظرة الحبلى بالشفقة التي كانت نسوة الحي و القريبات يمطرنني بها بمجرد أن تقع أعينهن على هامتي القصيرة , كانت تغتال إنسانيتي أو ما تبقى منها على الأصح بشكل متوحش , تنغرس في أعماقي سكينا مسموما يطال بقية كرامة لم يشعر أحد - أي أحد - أنها قابعة هناك بهدوء في تجاويف هذا الكائن المستكين صمتاً , و خصوصاً عندما يسألن أمي بصوت خفيض اقرب منه لفحيح حية تريد الانقضاض على فريستها : ألم تُخطب أمينة بعـد ؟؟ وكأن أمي لو حدثت هذه المعجزة لن تسارع إلى إعلان الخبر السعيد في اليوم نفسه ضمن الأخبار الرئيسية على كل القنوات الفضائية المتاحة، و تخبر القاصي والداني
بالأمـــــر .
ثم أتى هذا الرجل بعد سنوات من حبسي لنفسي في المنزل الذي خلت نفسي أني أصبحت أحد معالمه و أركانه ... أتى بمواصفاته القياسية في السوء ليطلبني .. لم يكن ثمة ما يغري بقبوله .. فهو يكبرني بأجيال ... متزوج ... حتى أن أولاده متزوجون و لديهم من الأطفال ما يتكفل بمـلء حارتنا... دميم الشكل ... ثقيل الظل ... متواضع الإمكانيات بكافة أشكالها... لكنه رجل على أيـة حـال .
و حتى هذا الثقيل أتانا محملاً بالشروط التي تكفـّـل بقبولها جمال لا املكه و عمر مفترض للزواج كنت قد تجاوزته ... لذلك كان علينا قبول بنود الاتفاقية التي سيبرمها لاحقا مع أسرتي ... فزواجي به سيكون عرفيا ...و لن يعلن هذا الزواج أمام عائلته .. و لن يستطيع الإقامة معي و لا حتى ليومين متواصلين .. إنما سيأتيني كل بضعة أيام عندما تسمح ظروفه بذلك... و طبعا ... لن يسمح لي بالإنجاب , و كان هذا الشرط دون غيره طعنه نجلاء غارت في عمق مشاعري دون أن يبدو على ملامحي أي أثر لآلامهــا , فأنا كأي أنثى في هذا العالم - واستميحكم عذراً فأنا لا اقصد الشكل طبعاً -كان حلم الأمومة القابع داخلي ناراً تشتعل بي كلما لمحت طفلاً , حتى أنني أصبحت بمثابة الأم لكل أطفال أخوتي , بل و لكل الأطفال في حارتنا .. كانوا يحبونني ببراءة و صدق لم احصل عليهما من قبل .. لم يشكل قصر هامتي و ضآلة ملامحي أي فرق لديهم فاصبحوا عالمي الذي احــب .
أتت أمي مسرعة بوجه مستبشر تـنقل إلي بشراها السارة بان هذا البغـل تنازل و تواضع و طلب يدي ... و بالطبع لم استطع أن أمانع - إزاء الفرح الذي سرى فجأة في منزلنا و طال حتى ملامح أبى التي لا تستطيع قراءة ما يعتريها من مشاعر عـادة - اقـتراني بهذا الغريـب.. و تم زفافي بترتيبات اقل من عادية تتناسب و العروسين في تواضعها ... ارتديت ثوبا كنت قد اقـتـنيته يوما لاحضر به عرس ابنة عمتي التي تصغرني بعشرة أعوام و تكبرني بجمال باهر وعينين حالمتين... ثم سحبني هذا الرجل من يدي كما قد يجر طاولة إلى منزل صغير , أو بالأحرى غرفة متواضعة استأجرها لي قريباً من منزل أهلي لكي يقوموا بأعباء الزوجية غير الخاصة في غيبتـه التي قد تطول غالبـا .
استيقظت البارحة وحيـدة بين جدران غرفة الزوجية , أنا اشعر بان جدران تلك الغرفة ستنقض علي , وغثيان يكاد يمزق أشلائي , و مزاج ضبابي يوشك أن ينال مني , و أشياء أخرى تعتمل في داخلي لا أدرك كنهها ... أتت أمي ظهرا فأسررت لها بما يعتمل في جسدي فوجمت ثم سألتني أسئلة خاصة جداً, وما أن أجبتها على تساؤلاتها وأسئلتها هذه حتى اكفهرت و نظرت الي نظرة من يحمل كارثة بين شفتيه يوشك أن يطلقها ... وهمست : يا للمصيبـة أنت حامل .
لا ادري لماذا تكون الحياة قاسية علي إلى هذا الحد... حتى حملي ترفض الدنيا أن تقابله بفرح كما يحدث لأي عروس في حملها الأول , بل يقال عنه انه مصيبة و كأنني احمل في أحشائي ثمرة خطيئة لم اقترفتها .. اندفعت الدموع من عيني غصبا عني و أنا الملم أشلاء كرامتي التي بعثرتها إهانة وجهتها لي أمي دون أن تقصد .. كنت صرعى مشاعر متناقضة تنال مني بين فرح ليس من حقي الشعور به وفق بنود العقد الذي حُرر لصالح هذا الرجل الذي هو زوجي , و بين قلق و خوف من إخباره بخبر كهذا بالتأكيد لن يكون من دواعي سروره .
كأنني لا احلم بطفلي..لا أتوق إليه .. لضمه إلى صدري ..لاشتعالي بحبه.. لإعطائه حناناً لم أعطه لاحد من قبل لأني لم أصادف من أغدق عليه حناني .. لم أصادف من يستحقه .
أخرجتني أمي من عالم أفكاري إلى الواقع مباغتة إياي بقولها : لنذهب إلى الطبيبة ... ستجهضك قبل أن يعلم زوجك به حتى لا يغضب و ينهال عليك ضرباً .
عفوا نسيت أن اذكر في معرض حديثي عن زوجي أن ضربه لي كان هواية سيادته المفضلة ووسيلته للترفيه عن نفسه, بعدها كان ينقض علي كالبغل .
كانت أمي تنظر الي منتظرة إجابتي أو بالأحرى تجاوبي لما افترضته حلاً مثالياً لطيبتها و جبنها في مواجهة رجلين , أبي و زوجي , عندما فاجأتها أنا هذه المرة صارخة و الدموع تتسابق على خــديّ : لا ... لا ... و كانت تلك هي المرة الأولى في عمري كله التي أقول فيهــــا ( لا ) .. شعرت وأنا أقولها بنشوة عميقة في داخلي.. نشوة لم اعرفها قبلاً , و كأن كل الصحارى التي كانت تكسو قلبي فجأة اخضرت و أزهرت و سقاها مطر ربيعي دافئ في انتظار عصفورها الصغير ليكتمل مشهد الربيع الذي أورق بمجــرد خـبر صغـير كهـذا ... و من قال انه خبر صغير ؟؟؟ ... انه بحجم عمري و حزني و انتظاري و حرماني .. بحجم أحلام لم اجرؤ يوماً على أن احلم بها أو حتى أن أبوح لاحد بأنها قد خطرت في بالي أصلا.
ردت أمي باستكانتها المعهودة : سيضربك يا أمينة , دعينا نذهب للطبيبة و نتخلص منه.
أدهشني هذا المنطق المقلوب .. أ أتخلص من حلمي ؟؟.. من طفل انتظر أن أضمه إلى صدري ؟؟.. من جـنين أحببـتـه قبل أن يتكون و يصبح طفلا لأجل رجل لا أطيقــه ؟؟.. لا , لـن افعل هذا.. لن ُيجهض طفلي إلا على جـثـتي .. سأحتفظ به مهما جرى و مهما كان الثمـن , فمن حقي أن أحلم.. ومن حقي أن يتحقق لي حلم واحد في حياتي .. ومن حقي أن أجـد سببـاً أعيش به وأحـيا من اجلــه .
نظرتُ إلى أمي بعينين ا متلأ تـَا بمزيج متناقض من الدموع والأسى والفرح والتصميم في آن واحـد و قلت لهـا والحــزم يخيم على صوتي للمرة الأولى مذ خُـلقـتُ : لـــــن افعـــــل هـــذا مهمـــا جـــــــرى .













6


بريد عاجل


يسودني مزاج ضبابي للكتابة.
و أراك تخرج من بين الحروف ...علامات تعجب و إشارات استفهام.
أراك تخرج...فتقف بحزم لا املكه, نقطة في آخر السطر تنهي بها الكثير الكثير ...من حكايتنا الغريبة.
و ما زال يسودني ذلك المزاج الضبابي...
ألأنني رضيت بعلاقة شرعيتها ورقة عند شيخ لا غير,لاصبح الزوجة الثانية لزوج لم يعد لديه وقت كاف ٍ لكلتينا.
ألأنني و بعد انتظار خمسة عشر عاما صادفتك مرة أخرى فأشعلت بي كل الحرائق التي اعتقدت مخطئة أنني أخمدتها ذات يوم ...فإذا هي جذوة تحت الرماد...لم يكن ينقصها اكثر من رؤيتك من بعيد..لتنطلق مرة أخرى و تكتسحني روحا و جسدا.

بعد خمسة عشر عاما التقيك زوجا لأخرى و أبا لأطفال ثلاثة ..وأميراً متوجاً على إمارتك الصغيرة,,وتقنعني بتلك القدرة الهائلة التي حباك الله بها على الإقناع ...أن تعود ثانية لحياتي...كما أقنعتني يوما بخروجك منها.
كلا أنت لم تقنعني يومها...لقد اختفيت و حسب ..كأنك لم تكن, كأني نسجتك من أوهامي و عندما فتحت عينيّ لم أجدك.
تركتَ بعدها بصماتك علامات استفهام كثيرة و إشارات تعجب اكثر ...و جرحاً غائراَ كهاوية لا قرار لها على ثنايا الفؤاد.
تناسيتك..لكنني لم أنسك..كنت تمر بخاطري بين الحين و الآخر و يواجهني السؤال مؤلماً: لماذا...كيف...وأين اختفيت؟؟
و تعود تلك الإشارات إلى دهاليز حياتي لتغتالني للمرة الألف..لتحرقني..وأنا ما كان ذنبي سوى أنني أحببتك كما لم تحب حواء يوماً.
ثم...كان ذلك اليوم
كنت في طريقي إلى حفلة موسيقية أغسل بها تراب ملل وشح أيامي بلون مغبر اسود, و ربما إمعانا مني في إغاظة الملل أو تضليله أو ربما تضليل نفسي ..ارتديت ثوبا ابيض..كما لو كنت عروساً, وتزينت
..كما لو أني ذاهبة للقائك الذي لم احسب له حساباً.
وهناك...و قبيل ابتداء الحفل ...برزت أمامي فجأة ,سقط قلبي من مكانه.. وارتعشت قدماي... وغشيني إحساس خفي بأنني قد اسقط إن أنا تزحزحت من مكاني,فاتجهت أنت الي..صافحتني بقوة محتضناً كفي بكلتا يديك , رحبت بي بشوق أظنك اقتبسته من قلبي ,كأنك كنت تنتظرني..قلت لي يومها..ما زلت جميلة..بل انك اليوم اجمل ..تبدين كملاك في اللون الأبيض.
كنت أجيبك آلياً..بكلمات حمقى تخرج من فمي بلا ترتيب و لا حتى تدبير,كلمات تتساقط سهواً من بين شفتي دون تفكير إذ أن عقلي دخل فجأة في متاهات أخرى لا تتسع إلا لشخص واحد, و ذكريات مذ وقعت عيناي عليك استيقظت من غيبوبة لم تكن طويلة.
أكملنا ذلك الحفل سويا..و أوصلتني إلى المنزل..تخليت أنا بدوري عن حرصي و عن قلقي تجاه مجتمع لا يرحم امرأة جل ذنبها إنها وحيدة في الحياة و المسكن ,و جلست جوارك في سيارتك ..ربما لامنّي نفسي ..إنني لم اجلس إلى جوارك في حفل زفافك....فلأكتفي إذا بمقعد إلى جوارك بالسيارة.
بعدها تحادثنا كثيرا و مطولا..و تلاقينا ..و قضينا أو ربما قضيت أنا اسعد أيام حياتي معك, ثم اقترحتَ زواجا عرفيا يجمعنا...زواجا كنت أنا من ألد أعدائه ..و كنت أشن حرباً ضروساً كلما ذكر أمامي ,ناعتة عروسه بالغباء و الذل, فإذا بي أصبح فجأة إحدى بطلاته...أليس للقدر أحياناً مفارقات مضحكة حد الدموع و الألم.
بل إنني كدت أطير فرحاً ...فقط لأجل الاقتران بك..ولو على ورقة..ما كان غيرك يعنيني.
و ها أنت اليوم ,و لم تمض ِ سنة بعد على زواجنا...تلوح بمسؤولياتك في وجهي..و كأنك تكتشفتها تواً و لم تكن موجودة من قبل, تهجرني لأسابيع ..و تزورني بالهاتف بين الحين و الآخر لتعتذر عن موعد لم تكن تنوي أساسا الوفاء به, متذرعاً يوماً بمرض ابنتك..و آخر بامتحانات الأولاد...و ثالثاً بالسفر مع العائلة.
و أنا ..ألم أكن عائلتك يوماً و لا حتى مع تلك الورقة؟؟
فجأة اكتشف أنني كلما اعتقدت أنني وطنك..و بوسعك أن تقتحمني بدون خوف , وأن تنام في داخلي باطمئنان ,فاجأتني بأنك لا ترى في سوى المنفى!!الغربة و أنني لم اكن احمل إليك إلا الشعور بالخوف..كأنني مجهولك الذي تخشى وأنا التي كنت أعتقد بأني يقينك..كما كنت دوما يقيني ,بينما كنت أنا وهمك الذي امتلكته بورقة.
و ماذا بعد؟؟
هل سأنتظر ذلك اليوم الذي تمزق فيه تلك الورقة و تخرجني بنفس الشرعية التي تملكها أنت الرجل من حياتك و حياتي؟؟
و لم الانتظار..ما دام هذا اليوم آت ٍ لا محالة.
منذ خمسة عشر عاماً....و أنا لا أفعل شيئاً سوى الانتظار, أما آن لي أن استقيل من منصب الانتظار هذا و اترك ذلك الكرسي شاغراً بانتظار حمقاء أخري غيري.
أظن أنه قد آن الأوان منذ زمن بعيد..
و هكذا أخرجت تلك الورقة..و بشرعية اغتصبتها من نفسي و من ألمي ومن وجع صار إدماني و من جرحي الغائر ذاته الذي لم يجد له سبيلا للشفاء بعد ...مزقتها إربا إربا .. ووضعتها في ظرف .. وتوجهت إلى مركز البريد لارسلها إليك في البريد العاجــــــل.



































7


صمت النعاج

نعجة أٌساق ...
يسوقني ذئب من ذلك القيد الموثق بإحكام حول عنقي ..يصرخ بي ...يدفعني...ابتلع دمعتي ...تتحول في حنجرتي إلى ألف خنجر يجرح صوتي ...فابتلعه هو الآخر ...و أمضي صمتاً .
نعجة أُساق
يسوقني ذئب اشتراني بدون ثمن ..إنما بورقة ..بعرف..بشيء ما ..... ...يشدني ...يدوس ما تبقى من كرامتي ...أكرهه ..لكنني لا أستطيع حتى أن اصرخ.
نعجة أُساق ..
.يسوقني حيث يريد ...يصفعني على وجه تبقى فيه من الإنسانية ما يجرحه حتى العمق ...أرفع عيني فيه ...أصرخ ماء...ماء...يصفعني ثانية ...تؤلمني دمعـتي محاولة الخروج...أؤلمها أنا بدوري محاولة حبسها.. أرفض بما تبقى من إنسانيتي هذه الإهانة...أخرج راكضة ...هاربة منه و من دموع تريد الإفلات مني أمامه غصبا عني.
أسير في الطريق ...يراني ذئب غيره ...يبتسم بوداعة مزيفة ..تلتمع عيناه ..يتقدم مني ..بوجه عليه مسحة من التعاطف لا تراها النعاج اللواتي في حظيرته ...لأنه سبق و اشتراها بورقة...
-ما لك يا حلوة ..هل أوصلك إلى مكان ما؟؟؟ هل أنت جائعة؟؟ لا تخافي...
أخاف منه ...أنفلت مسرعة مغيرة الطريق.
ذئب آخر يقترب مني ...يحمل في عينيه حنان العالم كله ..يخفي ناباً لمع فجأة في ضوء الشمس أمامي...
- هل أنت تائهة؟؟ هل أنت غريبة ؟؟
ألوذ بالصمت و بالدموع ...نعم غريبة أنا ...غريبة حتى العظم...غريبة حد الخوف ...لكن ما الفائدة ؟؟عندما تصبح ذئبي ستشدني من نفس القيد الملتف حول عنقي ...لا أريد ذئباً ..
أريد كرامتي...
عندما تعود لي إنسانيتي... أقسم أنني لن أسمح لأحد أن يتعدى على كرامتي...
لن يروا دموعي...
تلاحقني الذئاب....كل واحد يصرخ بطريقته..
- نعجة وحيدة ....
- نعجة جميلة ......
-نعجة حزينة.....
أخاف ...أجري عائدة إلى حظيرتي... أتسابق مع دقات قلبي ..و أنا عطشى ... مذعورة ...مرهقة...ووحيدة حد الغثيان.
أدخل حظيرتي ...يمسكني الذئب من ذلك القيد الموثق حول عنقي ثانية يسحبني ...يضربني...ينهش لحمي... و يزمجر في وجهي ...ابتسمي ...لن اسمح لك أن تشيحي بوجهك عني... لا تعبسي... لست أطيق النكد.
_ و هل أطيقه أنا ؟؟
أرضخ بدون صوت ....بينما اصرخ من داخلي حتى يمزقني صراخي ...يشدني...نمشي..أصادف في الطريق نعجة أخرى ...يسوقها ذئبها من ذات القيد المحكم حول رقبتها ... تلتقي أعيننا
- كيف حالك أيتها النعجة؟؟؟
- مـــــاء
تبكي...ابكي...ألمح دموعي تنساب دافئة على خديها المحمرين من وطأة الصفعات التي نالتها لسبب ما ...أو ربما بدون سبب .. تكمل كل منا سيرها مع الذئب الذي يشدها من ذلك القيد الذي غاص عميقا داخل عظام الرقبة حتى أضحى جزءاً لا يتجزأ منها ... و كأنه انتقل إلينا بقانون الوراثة جيلا بعد جيل.
تحبس كل منا دموعها .. تمنعها قسراً من الانفلات ...و تمشي بصمت النعاج .


















8


عندما تمطر السماء رجالاً


كعادتي في أيام كهذه...أتسمر أمام التلفاز كتمثال أبو الهول...أراقب القصف على العراق و اجتياح المدن الفلسطينية و استمع إلى قرارات إنزال العقوبة بسورية و قلبي يعتصر ألما...و المشاهد تستفزني حتى نقي العظام ..
لكنني لا أجد ما أفعله سوى أن أتسمر أمام التلفاز و أنا عاجزة عن فعل أي شيء ,فابتلع مشاعري الغاضبة ليغص بها صدري .
منذ بدء اجتياح العراق حتى اليوم تعودت الجلوس هكذا, بل أدمنته و لكنني منذ ذلك اليوم الذي رأيت فيه- و المفاجأة تكاد تشلني- سقوط غر ناطة, عفوا اقصد سقوط بغداد , لم يعد هنالك شئ يستطيع مفاجأتي أو حتى يثير استغرابي في زمن وقح كهذا ,و أمام عدو اكثر وقاحة من أن يوصف .
كنت أراقب انهيار حضارة بكاملها ...في أيدي من لا حضارة لديهم إلا حضارة السلاح و القوة والمنطق الأعوج , و أنا ابتلع غيظي و غضبي , ملفعاً بصبر لا ادري من أين حصلت عليه ...لعل السماء أمطرتنا صبرا - نحن الشعوب العربية- فلم نقدم على أي عمل أحمق يعيب حضارتنا .
و لسبب ما- ربما يكمن في خروج الآلاف من الغربيين رافضين الاحتلال الأمريكي للعراق - أظن أن المناخ لدينا يختلف تماما عن مناخاتهم فالسماء لديهم لا تمطر صبرا, حتى عندما لا يكون الأمر بحد ذاته مهين أو مؤلم لهم كما هو لنا.
ينقل اليوم التلفاز ضحايا قصف أمريكي على إحدى مناطق الفلوجة ...تأتي ابنتي ذات الأعوام الستة لتجلس بقربي و تسألني بفضول برئ بعد أن اختلطت عليها المشاهد لشدة تشابهها:
ماما......... هل هذه فلسطين يضربها اليهود؟؟
فأجيب:
لا ...هذه العراق تحت القصف الأمريكي.
تسألني: لماذا؟؟
أقول:....ربما لأنهم عرب...ربما لأنهم مسلمون , و ربما من اجل النفط , و ربما من أجل المصالح اليهودية و ربما من أجل كل ذلك معا.
يظهر على التلفاز طفل عراقي ...يحمل هويته دما و أسى على ملامح تمزقت بشظايا قنابل ...ربما سقطت سهواً بين المدنيين ...لانهم كما قالوا لن يستهدفوا المدنيين ...و لأن الأمريكيين لا يكذبون أبداً...فأغلب الظن أن آلاف القنابل تلك سقطت سهواً ...فعفواً أيتها المدينة الغافية باطمئنان ..عندما تمزق وجهك الشرقي الجميل آلاف القنابل الساقطة سهواً...و عفواً أيها الأطفال و النساء و الشيوخ و المدنيين فقد سقطتم سهواً لتصفية حسابات لم تحسبوا انتم حسابها.
و تخرجني ابنتي من شرودي متسائلة مرة أخرى:
هل هذا الولد عراقي؟؟
أجيب:نعم
تسألني بمنطقها الطفو لي البسيط:لماذا لم يدافع عنه أبوه و أمه؟؟أجيب: لقد فقد أباه و أمه ...ماتا عندما سقطت قنبلة فوق بيتهم.
و يدور في رأسي منظر الضحايا العراقيين المحترقين بالقنابل العنقودية ..التي ُمنع استخدامها في كافة أنحاء العالم- عفوا ...نسيت أننا لا ننتمي إلى العالم- و كيف أن أي اتفاقية توقع في العالم يترتب ضمنها علينا كعرب واجبات..واجبات فقط و ليس حقوق .
فنحن من واجبنا تحقيقا لبنود اتفاقية جنيف أن لا نعرض الأسرى الأمريكيين و هم يجلسون على الكراسي مكبلين, و لكن ليس من حقنا قطعاً أن لا يعرض أسرانا و هم راكعون على الأرض , أو تعرض مشاهد التفتيش في المواقع العراقية التي يقوم بها الأمريكيون ضد العراقيين ,يا له من منطق معكوس..... يفتش الإنسان في موطنه من شخص دخيل , دون أي مراعاة لديننا و عاداتنا و أعرافنا عندما تكون المارة امرأة و يجري تفتيشها من قبل جندي أمريكي.
و من واجبنا أن ننتزع أسلحتنا كافة و نسلمها للأمريكيين ...و ليس من حقنا أن لا تستخدم الأسلحة ضدنا ...حتى تلك الممنوعة في العالم بأسره.
تخرجني ابنتي من عالم أفكاري متسائلة:
ماما ألم تقولي لي أن فلسطين ستتحرر؟؟
قلت : بلى بالتأكيد.
تعقب:
و لكن العراق أيضا احتُلت!!
لم أجب...بل لم أجد ما أجيبها به.
قالت:
هل ستبقى العراق كفلسطين تحت الاحتلال ؟؟قلت :لا يا ابنتي (لا قدّر الله) سنحررهما ...لن يبقى لا احتلال إسرائيلي و لا أمريكي.
تسألني: متى؟؟
ووجدتني أجيب بدون تفكير:
عندما تمطر السماء رجالاً.

9


مــــــــرآة

كان يهبط من سريره نافضا عنه غبار الكسل مدليا قدميه بتراخ ٍ يفضح بوضوح عدم رغبته في مغادرة الفراش , دس قدميه الممتلئتين داخل مشا يته, و تحرك نحو الحمام بآلية مثالية جدا, و في طريق عودته إلى سريره و الذي خال انه قد طال كثيرا نظرا للكسل الذي يهيمن عليه اليوم و كل يوم مذ بعث إلى هذه الحياة,أحس بحركة ما إلى جواره التفت بدون اكتراث إلى مصدر الحركة فباغته شئ ما يلاصقه كظله صرخ بصوت مذعور
- بسم الله الرحمن الرحيم...قل أعوذ برب الفلق...
فبدا له أن هذا المخلوق بل هذا المسخ على الأصح يقلد حركاته مشاكسا إياه ربما..
و عندما تفرس بملامحه البشعة أحس بان وجهه مألوف مع انه لم يصدف أن رأى يوما كائنا غير بشري,أين يمكن أن يكون قد رأى هذا المخلوق البشع...
خيل إليه انه يعرفه جيدا ... و لكن كيف ...أين...لم يستطع أن يحدد زمانا أو مكانا اجتمع به مع هذا المسخ.
و عندما وجد أن هذا المخلوق على الأغلب مسالم لا ينوي إيذائه إذ أن جل ما يفعله هو تقليده بحركات مضحكة لكثرة بشاعتها بادره و قد دب شئ من الاطمئنان في قلبه:
- هل أنت منهم ....

و أشار بسبابته إلى باطن الأرض.

- لا...أبدا ..لست كذلك.
- إذا من أنت ؟؟
- أنا ذاتك القابعة في أعماق نفسك
- و لكنك مسخ
- إذا بوسعك أن تقول أني المسخ القابع داخلك..فأنت مسخ أيضا و لكن بملامح أودع قليلا
- لا ليس معقولا ...لست بهذه البشاعة
- انظر إلى المرآة...
أشار المسخ إلي المرآة مضيفاً
- هيا لا تخف ..علينا أن نواجه حقيقتنا يوما

اتجه الرجل بخطى مترددة نحو المرآة ...دون أن ينبس ببنت حرف ..و الريبة بادية بإصرار على ملامحه..و ما أن وقعت عيناه على انعكاس صورته فوق ذلك السطح الفضي الأملس , حتى صرخ صرخة اغلب الظن أنها قد أودت بحباله الصوتية , إذ انه رأى نفسه في المرآة مسخاً حقيقيا و اكتشف أن الملامح المألوفة لهذا المسخ , لم تكن إلا ملامحه بعد تعديل بسيط , تعديل يجعله مألوفا بين البشر إن هو وقف بينهم.
- ماذا جرى ...لماذا تحولت إلى هذا الشكل ...هل احلم؟
- لا ..لست تحلم, لقد تشدقت البارحة بين رهط من أصدقائك و أنت تعيب هذا و تذم ذاك , قائلا لماذا لا يبدو الإنسان على حقيقته ...لماذا لا يبدو من الخارج ..كما هي حقيقته في أعماق نفسه المختبئة...أويسوؤك أن تبدو على حقيقتك هذه بين الناس؟؟
- ماذا تقول؟؟؟هذه حقيقتي؟؟أنت تهذي!!بالتأكيد أنت تهذي...
- بلى ..إنها حقيقتك ...هذا المسخ هو أنت بكل تواضع..
يجيب متهكماً كما هي عادته دائماً و أبدا:
- إذا كانت هذه حقيقتي أنا ...كيف تكون إذا حقيقة من حولي ...أبو سمير مثلاًً ...لا بد أنها...
قاطعه المسخ مجيباً :
أتريد فعلاً أن ترى حقيقة أبي سمير
- بالتأكيد...
أجاب المسخ و هو يشير إلى المرآة ثانية :
- حسنا سأجعلك تراه ...انظر..

نظر الرجل فرأى مخلوقاً ملائكي الملامح,ترتسم على وجهه علامات الرضى و الطيبة ..و عرف من ملامحه وجه أبي سمير .

- أولا زلت تريد أن يبدو البشر على حقيقتهم؟؟
- لا...لا يا رجل إنما كنت امزح..

ثم أضاف مكملا و على وجهه جدية من اكتشف للتو حلا لمعضلات البشرية أجمعها:
- اسمع يا هذا...سأقترح عليك اقتراحا يريحني و يسعدك.
- و ما ذاك؟؟
- ستعود من حيث أتيت إلى غياهب أعماقي و لن أر وجهك القبيح بعد الآن , مقابل ذلك سألتزم بإسعادك مهما كلفني ذلك , صدقني لن يروق لك أن يراك غيري ستثير الفزع في نفوس البشر , أنا نفسي فزعت منك .

لم يعترض المسخ على هذا الحل , ففي النهاية لم يكن يروقه هو الآخر أن يراه الآخرون.




































10


تداعيات ذاكرة

انطلق يجوب شوارع العاصمة الموغلة في القدم والعراقة..دمشق..تلك المدينة الأسطورة, قال في نفسه :
يا الله كم احب هذا المكان...من لم ير الشام لم ير شيئا من ملكوت الله ...(وجهة نظر ).
مر في جولته تلك بمنطقة يعشقها بأشجارها الطويلة المتكاثفة معا,أيكة مسحورة ,و التي يتراوح لونها من الأصفر حتى الأحمر مرورا بالبرتقالي و درجاته , انه فصل الخريف , يوما ما قال نزار قباني وحده الخريف يشبهني ,هو قال في نفسه أنا أشبه الخريف.
تناهت إلى سمعه صوت أغنية يعشقها فرفع صوت الراديو حتى جلجلت في أنحاء سيارته الصغيرة:
قالت يا ولدي لا تحزن الحب عليك هو المكتوب
لا بأس ما دام هو الحب .
بحياتك يا ولدي امرأة.....
تذكر عندما وقعت عيناه عليها للمرة الأولى ..كان ذلك منذ سنة تقريبا , عندما أوفدته شركته لدراسة اللغة الإنكليزية في معهد خاص ,كان ذاك درسه الثاني عندما - و بعد ابتداء الدرس بدقائق - قرعت الباب المفتوح ..فاتجهت الرؤوس إلى هذه الطالبة المتأخرة ..أومأ لها الأستاذ بالدخول ...فتحركت بارتباك واضح إلى الداخل ..و هناك على مرمى نظر ..شعر بشيء ما ..كأنه ارتعاش اجتاح مفاصله ...لم يستطع أن يدرك ما الذي أثر به إلى هذا الحد في تلك الغريبة.

عيناها سبحان المعبود...
لا بد أن نزار قباني قد رآها في مكان ما , فمن غير تلك العينان يستحق جملة كهذه ...ما أحلى عيناها..عندما تقدمت على استحياء متجهة للمقعد المجاور له , و على محاذاته تماما كان قدره يشاكسه جالساً على مشاعره التي لم يستطع أن يفك رموزها حتى هذه اللحظة , استدارت إليه ..التقت عيناهما ..تشابكت لوهلة كانت كافية تماما لتغور طعنة نجلاء في فؤاده, ثم نزعت عينيها مرة أخرى ..و تابعت اهتمامها بالدرس..دون أن تشعر أنها - و بلحظة واحدة فقط- استلت من عينيها شعاعاً و شهرته في وجهه , شعاعا أشعل حرائق ملتهبة اكتسحت مشاعر من على يسارها و أحاسيسه.

فمها مرسوم كالعنقود
لا تعليق

ضحكتها أنغام وورود
بالتأكيد ضحكتها أحلى من ذلك كله, يحدث أن تستطيع قراءة تفاصيل صمت كائن ما لمجرد انبهارك به.

و الشعر الغجري المجنون ...يسافر في كل الدنيا
يا لشعرها ..الكالح السواد ..الممتد على خصرها الرشيق...و هو يتمايل راقصا مع رأسها مرافقا كل حركة تقوم بها..حتى إذا ما انهمكت في تدوين ملاحظات الأستاذ ,فمالت بقامتها إلى الأمام لكي تكتب, أغار شعرها معها إلى الأمام متجاوزا كتفها و ساعدها بشغب ملحوظ , و جلس بحركة مشاكسة على منضدتها , فإذا بها تعيده إلى الوراء ثانية بحركة من أناملها العاجية ..حركة تسكنها نعومة الكون كله و أنوثته و تسكن أعمق مشاعره حتى الآن.
قد تغدو امرأة يا ولدي يهواها القلب ...هي الدنيا
كان يزداد إعجابا بها مع كل درس يحضرانه..شئ ما في صمتها و هدوئها يشده..شئ غامض فيها يسحبه لقاع التعلق بشدة لا هوادة فيها , و بمرور أيام كان يفيض تورطاً و يزداد غرقاً.
قال في نفسه يوماً ما أجملها....كأنها حورية البحر..كأنها أسطورة بغموضها ..سأكلمها ..سأحاول أن أجد ذريعة ما لأكلمها ..سأطلب منها شيئاً ما ..ربما كتابها.. أي شئ لا بد أن أكلمها.
ستفتش عنها يا ولدي في كل مكان
ما أن أذن الدرس بالانتهاء حتى لمت كتبها على عجل و اتجهت إلى الباب و كأنها تهرب من شئ ما ..أما هو فقد ترك كتبه على طاولته كما هي و جرى وراءها , كانت خطوات الفتاة سريعة كفهد..رشيقة كغزال , و هو يسارع خطواته وراءها بقلب مترقب يكاد لوقع دقاته المرتفعة أن يُسمع من حوله إيقاع لهفته.
لماذا هي على عجلة من أمرها...تساءل في نفسه , بينما لا يزال يحث خطواته وراءها.
و ستسأل عنها موج البحر و تسأل فيروز الشطآن
و عند باب المعهد الخارجي , أبطأت هي الخطى , مما أثلج صدره قليلا ,كان ثمة سيارة حديثة هناك , يقف إلى جوار بابها اليساري شاب وسيم برفقة طفلة صغيرة لا تتجاوز السنتين من العمر, لها نفس العينان الساحرتان , و ما أن لمحت الطفلة فتاته خارجة من باب المعهد , حتى جرت إليها بخطاها الحديثة العهد بالمشي رافعة يديها العاجيتين الصغيرتين و هي تهتف بصوت شجي : ماما..... ماما
و ستعرف بعد رحيل العمر
بأنك كنت تطارد خيط دخان.


11

وليمة قطط


كان أبو عـدنان بأسماله البالية التي سقطت كيفما اتفق فوق هامته المنحنية يراقب بفضول هادئ رهطا من القطط أمام محل الجزار وهي تخطف ما يرميه الرجل إليها و تهرول به بعيدا عن عيون الفضوليين و ربما عن مخالب قطط اكثر شراسة منها .
تساءل بينه و بين نفسه لماذا لا يكون البشر هكذا .. لمَ لا يكتفي الإنسان بقوت يومه ؟ لماذا عليه أن يحشر الثلاجة من قمة رأسها حتى أخمص قدميها بالطعام , ثم يختزن ما تبقى من معلبات و حبوب داخل خزانات المطبخ ؟ .. و حدث أن نقم في متاهات ذاته على مخـترع الثلاجة موقـناً بينه و بين نفسه أنه السبب في جوع من لا ثلاجة لديه , إذ منذ ظهر هذا الاختراع الغبي إلى الوجود , أصبح الناس يخزنون الطعام حتى ذلك المتبقي اثر انتهائهم من وجباتهم .. بل وأصبحت الحياة كلها تخضع لمبدئي التجميد والتعليب, فآراؤنا صارت مجمدة .. مشاعرنا صارت مجمدة .. بينما أفكارنا أصبحت معـلبة حتى إشعار آخر.
في هذه الأثناء اقـترب هـّرٌ هَر ِمٌ من وليمة القطط .. لم يقـترب تماما .. بل ظل على مسافة كافية للأمان تنبئ بقية القطط انه جاء مسالما و لن يدخل بعراك مع أي قط آخر لأجل طعام هو في أمس الحاجة إليه لولا وضعه الراهن الذي لا يسمح له بالعــراك .
تماما كصاحبنا هذا وقف يراقب بسكون قطع اللحم التي تطير من يد الجزار في الهواء , فيقفز فو ما من هذه القطط .... و يلتقطها و يغيب في إحدى الزوايا .. لم يدنُ .. لم يلتقط قطعة واحدة .. كان يعلم تماما أن الضعف البادي بوقاحة على أنحاء جسده و ملامح وجهه سيشجع اضعف هذه القطط على مهاجمته إن فعل .
دار في خلد أبى عدنان .. لعل القط أيضا يلعن الثلاجة و ينقم على من اخترعها, إذ انه لولاها لكان فائض اللحم بكامله نصيبا للفقراء و القطط , و ليس بضعة قطع غير صالحة للاستهلاك البشري فحسب .
حانت منه التفاتة نحو القط , فرأى القط بدوره ينظر إليه بإمعان أيضا ... لربما هو الآخر يرثي لحال هذا العجوز .. إذ بينهما تواطؤ خفي أحدثه الجوع و الفقر و الهــرم .
خطر في بال أبى عدنان أن هناك توارد أفكار بينه و بين هذا الحيوان الهرم .. بل أن هنالك عـدة نقاط التقاء و تشابه بينهما .
اقترب منه بهدوء و هو ينظر إليه , لم يمانع القط , بل ظل يحدق مباشرة في عيني أبى عـدنان دون أن يرمش له رمش .. مـّد أبو عدنـان يديه والتقـط القــط .. رفعه إلى صدره .. ضمـه بـود قديم هرم , و مشى به بعـيداً عن وليمة القـطـــــط .







































12


رؤية طفل

حجر

كان حصيلة تزاوج القضية الفلسطينية بالحرب على العراق ... طفل فلسطيني من أم عراقية ..تحتشد على جبهته السمراء تاريخ الحروب الحديثة بأجمعها.. و فضائح الإبادات الجماعية...
ادخر مصروفه كثيرا ... حتى آن أوان فتح حصالته... جلست أمه على حافة سريره تساعده في فتحها... و إذ سكب النقود على السرير ... سألته مداعبة: مال كثير... ماذا ستشتري به؟؟
فكر الطفل قليلا ثم أجاب سأشتري حجرا لاضرب به اليهود في فلسطين ... تفاجأت الأم لكنها استطردت : أ كل هذا المال من اجل حجر واحد؟؟
أجاب الطفل ببراءة : لو تبقى معي مالا سأشترى حجرا من اجل العراق أيضا.

خادمة

تصف لهم الجنة حتى أنها تعشوشب في سرائرهم النقية .. فيدنو قطافها من ثغورهم الصغيرة..
يلجون إلى عالم الخيال الثري الذي يميز أعمارهم الصغيرة مدفوعين إلى مكان سحري خارج حدود الزمان و المكان .
تتعلق عيونهم بمدرسة التربية الدينية و هي تشرح لهم السبيل إلى الجنة ... مستزيدين من وصف ذلك المكان ... مندفعين بقلوب طاهرة نحو الخير سبيلا للوصول إليه..
فجأة ... و من لجة السكون ... يصرخ طفل منتزعا انداده من جنة أحلامهم الأخاذ بقوة ... متوجها بالسؤال إلى المعلمة :
هل أستطيع أن آخذ الخادمة معي إلى هناك؟؟


اجنحة

كانت المدرسة الأمريكية الأصل تؤمن أن الخيال شئ أساسي في نمو الطفل و تفعل ما بوسعها لاثراء خيال طلابها في تلك الرحلة المبكرة من العمر.
هو... كان طفل العـراق الذبيحـة ... ربما قـتـلت المشاهد اليومية خياله البريء و جعلته مكبلا إلى واقع لم يستطع أن يسبر أغواره بعد ... حتى لم يعد يستمتع بزيف الخيال .
في أحد الأيام طرحت المدرسة موضوع إنشاء باللغة الإنكليزية تمثّـل في جملة واحدة على الأطفال إكمالها استنادا إلى جموح خيالهم .
كان السؤال هو:
لو استطعت أن أطير : ....
تنوعـت الإجابات ...
فكتب بعضهم : كنت أمسكت الغيم .
وكتب الآخر : كنت رافقت الطيور .
و هناك من كان اكثر جموحا فكتب : كنت لامست الشمس .
وحــده كتـب : أنا لا أستطيع الطيران .



سلاح


امسك الجندي الإسرائيلي طفلا فلسطينيا صغيرا ... جذب من يده الحجر و هو يصوب مسدسه صوب رأسه الصغير ... وإذا بحجر آخر يتلقاه على ساعده من أحد أصدقاء أسيره الصغير... فيفلت من يده المسدس ... تلقفه الطفل سريعا ... و صوبه باتجاه الجندي ... صرخ الجندي بعربية مكسرة فزعا :اعطني المسدس .
أجاب الطفل: رد لي حجري.



ارهاب


سألت الأم التي كانت تؤمن بالتطبيع كثيرا ... و بالسلام المبطن بالاستسلام طفلها : ماذا ستصبح عندما تغدو كبيرا.
أجاب: سأصبح إرهابيا.


الله معي


صرخ الطفل فزعا إذ قطع التيار الكهربائي في المنزل ... و غرق البيت في ظلام دامس ... هرعت الأم نحو مصدر صوته إذ تعذرت الرؤية قائلة : لا تخف يا صغيري .. اقرأ المعوذات ..
أجاب الطفل : لا أتذكرها ... لكني اعرف أن الله معي .


معلمة مكسيكية

مع بدء العام الدراسي في المدرسة الأمريكية دخلت معلمة اللغة العربية المتمكنة تماما من مادتها الصف, تعرفت إلى التلاميذ ... حدثتهم بالعربية الفصحى ... منعتهم من الحديث باللغة المحلية .
في اليوم التالي تلقت المديرة عدة اتصالات من الأهالي يسألون باستنكار : كيف تحضرون معلمة مكسيكية لتدرس اللغة العربية.

























13



نهاية شهرزاد


- شهرزاد
- أمر مولاي
- أريدك أن تقيمي حفلا رائعا لتأ بينك ..فقد آن الأوان ...افهميني جيدا ..أنا احبك..بالطبع أنا احبك...بل ربما أعشقك...لكنك خلقت من اجلي ..من اجل أن ينمو مجدي و يتناسل ..و لاجل هذا الهدف النبيل ..علي أن اغرس قدمي في كبريائك ..و ارتدي فؤادك نعلا لارفع هامتي عاليا في السماء.
- أمر مولاي
- عليك أن تعي تماما باني أهواك بجنون و سيؤلمني حتما ...تماما ... أن أراك تموتين ..لكنه قدرك...قدرك أن تموتي من أجلي ..كما عشت من اجلي كل هذه السنين ..و قدري أن اتسامق مجداً و أنا اعتلي هامتك , و ألامس النجوم على أشلائك....و أن اسطع في سماء الخلود ..مقتبساً نوري من نارك التي سأخمدها , و عليك أن تعي تماما أن ألم موتك و فراقك وحده يكفيني ...سيزعجني... سيؤرق نهاري , ...و ربما ليلي( حسنا لا أظن انك ستزعجين ليلي فلي شؤون أخرى تحت وشاحه القاتم )...لذا لا أريد أن أراك تبكين ..أريدك أن تبتسمي ..كما تفعلين عندما آتيك موشحا بانتصاراتي ..رافعا رجولتي علما فوق جماجم النساء ..و أن ترتدي اجمل حللك و تتزيني ..لا أريد أن يُعكر صفو مزاجي مرتين في يوم واحد ..فذاك كثير على احتمال مزاجي الرقيق.
- أمر مولاي...
- شهر زادي سيكفيك مجدا ...انك صنعت مجدي ..و أني غرست كفي في أحشائك ..و امتصصت رحيق حياتك ..فأصبحت أنا شهريار ...سليل مجد يلامس السحاب ..فلا تحزني من نهايتك ...فهي نهاية مجيدة .
- أمر مولاي..
- و احبسي دموعك ...و زغردي تحت قدمي ...فأنت لي وحدي ..خلقت من اجلي و ستموتين من اجلي ..و مجد كهذا ..أظنه حري به أن يجعلك تطئين السحاب.

ماتت شهرزاد و هي تضع انفس حليها و ترتدي حزنها وشاحا صامتا و تتزين بلآلئ لم تبارح عينيها قسراً... كانت جميلة كحورية البحر ..حزينة كأوراق الخريف ...و على شفتيها تفتر ابتسامة الرضا, مخطئاً ظن شهريار بأنها من اجله ..من اجل موتها تحت قدميه...أما هي فقد ابتسمت عندما ُأطلقت روحها من سجن الجسد , و حلقت عاليا في السماء ...كان عزاؤها في الموت .. انه لن يستطيع سجنها بعد اليوم .







































14

حقيبة سفر



نظر إلى حقيبته الفارغة ..تبدو كجيفة بعد أن افرغ أحشاءها ... و قدم لكل فرد هديته التي أتاه محملا بها من بلاد العم سام ... لم يعد في حاجة إليها الآن ... فقد رست سفينته للمرة الأخيرة على ميناء وطن سكن قلبه لسنين طويلة و لم يسكن به منذ الصبا... جال بعينيه أرجاء المنزل الذي اقتناه حديثا ...كآخر محطة يحط بها رحاله بعد أن أدمن الرحيل كبدوي أصيل... وجد أن عليه أن يرفعها إلى السقيفة... واضعا فيها ما لا حاجة له به .
عاد أخيرا إلى الوطن ... انثري يا شمس دفء اشعتك الذهبية فوق قلبه و ليذب الجليد ... فقد عاد إلى الوطن... انثر الشذا يا أيها الورد البلدي و يا ياسمين بلاده ... فقد أتى الغائب أخيرا ... حاملا متاعه قلبا تجرح بالشوق ... و صلب بالغربة ...حتى اقترب من الموت كثيرا...لا يكاد يصدق أن قدميه تقبل أرصفة وطنه... أن عينيه تعانق الأزقة و الشوارع التي تغيرت كثيرا كما قد تغير هو ... لا يكاد يصدق انه أخيرا يمشي في الشارع ليسمع مفردات أمه و أبيه ... قال في نفسه (لا للهجونة في كل شئ ... لا للوطن الهجين ... لا للقلب المهجن ... أعيدوني إلى أصولي ... ففروعي تكاد تموت من اليباب)..
عندما ا تخذ قراره بالعودة ... أدمته كلمات أصدقائه... وقفوا في وجهه ... نعتوه بالجنون ... مزقوا فرحه و ذروه في وجه الرياح ... حتى فؤاد اكثر الأصدقاء التصاقا بشغاف قلبه ... وقف في وجهه ... قال له هل جننت لتترك منصبا كل العيون تربو إليه في اكبر مشافي المقاطعة ... و راتبا لن تتقاضاه و لا بالحلم هناك ... و تولينا ظهرك و تمضي ... تنسحب هكذا؟؟
لم يفهمه فؤاد و لا حتى هو فهم نفسه ... كان الحنين يأكل أطرافه كمرض مستعص ٍ ... كان يشعر البرد ... يشعر بوخزة مؤلمة هناك في حنايا الفؤاد ... لا بد من أن يشفى
لم يفهم فؤاد كل ما أسهب في وصفه ... بل المصيبة انه كان يبدو مصدوما ... و كأن بصاحبنا مس ما ... كل ما شرحه له عن أيامه التي باتت لا تزيد عن أصابع اليدين في أقصى احتمالات نبوغ الحظ ... قال له بردت كثيرا ... أريد أن اشعر بالدفء ... فرد ذاك ... و هل ستجد مدافئ المازوت التي انقرضت منذ العصر الحجري اكثر دفئا من أجهزة التدفئة المركزية المزروعة في شقتك ...
لم يفهم أحد ما قاله ... كأنه كان يرمي ألغازا في وجوههم ... باع كل متاع الدنيا ... و صعد متن حنينه طائرا إلى الوطن.
تسابق الاخوة و أولادهم الذين ما عادوا أولادا إليه ... كل منهم يريده ضيفا في بيته ... كل منهم يريد الاحتفاء به بقدر الشوق و الغربة و البعد الذين كانوا يحتلون مكانه في العائلة ... و ما أن تناهى لاسماعهم بأنه تبرع بكل ما لديه لبناء مشفى حديث للأمراض الصدرية في بلده ... و انه استقال من عمله و لم يعد مواطنا هناك إذ انه اثر مواطنيته المتواضعة في بلده فكرّ عائدا ... حتى انفضوا عنه كما ينفض الناس عن طاولة الغذاء بعد أن تفرغ الصحون من محتواها و تمتلئ البطون بها .
لا بأس ... قال في نفسه ... إنها الصدمة ... سيعودون فالظفر لا يخرج من اللحم أبدا .
طال انتظاره مصلوبا في حدود الوطن بعد أن صلب في الغربة طويلا ... كان يستفيق كل يوم و هو يعتقد انهم اليوم سيأتون إليه معتذرين عما بدر منهم ... لان الظفر لا يخرج من اللحم ... لكنه و بعد انقضاء أربعة اشهر ... لم يجد فيها دواء لآلامه و لا هو أحس بالدفء ... و لا وجد له أصولا يركن إليها ... هاجمته الغربة ثانية ... هاجمته بشكل اعنف ... كانتكاسة المرض في فترة النقاهة ... مؤلمة حتى أنها صهرت روحه ... موجعة حتى أنها بترت أطراف أنامله ... أيقن انه بإمكان الظفر أن يغادر اللحم عندما يغدو الأخير عظما لا خير فيه.
لم يمض وقت طويل حتى تذكر حقيبته تلك التي رماها في السقيفة ... حشر فيها سنوات عمره المتبقية ... و حمل من الهم ما سيدفع ثمنه باهظا في وزن الأمتعة بالعملة الصعبة ... و بضع صور ممزقة لذكريات لم تعد له ... و قفل راجعا إلى وطن هجين .
























15


صناعة وطنية

دلفتْ بأناقة غير متكلفة, و ثقة ترتديها باعتزاز , و حضور قوي جذاب طغى على كل من في الصالة الأنيقة الفاخرة التي ُأعدت لاستقبال ما يربو عن عشرين سيدة .
أنتِ ... لا تعرفين ما الذي يزعجك منها ... قطعا ... ليست ثقافتها العالية ... فلست من محبي الثقافة ... و لا هو حضورها الرقيق الأخاذ الذي لا تعترفين به أصلا ... كثيرا ما تبجحت في غيابها أن كل ما ترتديه ... من قمة رأسها حتى أخمص قدميها ... مرورا بخاتم الزواج الذهبي ... و اسورة ذهبية أنيقة لا تخلعها ... لا يوازي سعر حذائك الذي تقتنيه دوما من ماركة فرنسية معروفة.
ما الذي يجعلك تطلقين سهامك بشراسة صوبها ... و تتسكعين بأنظارك خلسة على مساحات جسدها ... جزءا ً جزءاً ... لا يفلت حتى ظفرها من استراحة محمومة لعينيك فوق سطحه.
ما الذي يجعلك ترتعدين بمجرد دخولها من الباب كل مرة... هي لم تعرك اهتماما مرة واحدة ... لم تلق مرة نظرة متفحصة على مجوهراتك الباهظة ... و لا ثيابك الفرنسية الصنع...لم تلفتها مرة حقيبتك الجلدية التي تضعينها كل مرة في مكان بارز يواجه الأنظار جيدا في محاولة للتباهي المبطن بعدم الانتباه... لم تهتم يوما بأي من تفاصيلك ... فلماذا تعيرينها كل هذا الانتباه؟؟؟؟
ألقت تحية مرحة جذابة على كل الحاضرات بما فيهن أنت دون أن تخصك حتى بنظرة و على ثغرها ابتسامة الشمس عندما تتمطى في جبين السماء صباحا ... شئ ما فيها يجبر الجميع على احترامها بمن فيهم أنت ... لكن احترامك أنت تحديدا ... مغلف بالحسد... محشو بالغيرة .
يلفت انتباهك قميص ازرق ترتديه ...تعلمين قطعا أنه ليس أمريكي القماش و لا ألماني الصنع ... لم تنسج خيوطه في لندن و لا صممه مصمم فرنسي معروف ... تجدين في هذا القميص ضالتك ... ستنشبين أظافر السخرية في عينيها ... ستنالين منها قطعا هذه المرة .
و بلؤم مغلف بابتسامة هشة أجدت رسمها و ارتدائها بتصنع واضح على محياك ... تسألينها...
- سارة ... قميصك في غاية الجمال ... من أين اشتريته؟؟
ترد هي بابتسامة ودودة صادقة :
- من شارع الحمراء ... من محل اسمه ألوان اعتدت أن اشتري ثيابي منه ... فأسعاره معقولة ... و بضاعته مرتبة ... و أنا...
تقاطعينها ... بدهشة مصطنعة و قد سرك إشارتها إلى أسعاره غير الباهظة :
- صناعة وطنية؟؟؟
- أجل ...
- ... أنا لا ارتدي صناعة وطنية أبدا ... افضل أن أسير عارية على أن ارتديها ... اشعر أنها تحيل من ترتديها إلى مهرج مضحك ... أو كائن فضائي بشع .
تبتسمين في داخلك مزهوة بانتصارك ... موقنة أن سهمك أصاب منها مقتلا , خاصة و أن العيون كلها اتجهت صوبها ... و قد حلت لعنة الصمت على الجميع ... من وقع الدهشة التي خلفها كلامك الجارح...
ترد هي بسخرية يكسوها أدب جم ...
- عفوا سيدتي أعتقد انك أنت شخصيا صناعة وطنية ... و في حال أن ما تفوهت به توا هوما تعتقدينه صحيحا ... و لو أنني لا أوافقك الرأي ... فأنت أمام معضلة حقيقية ... إذ أن الغلاف الفرنسي الأنيق لن يغير من قيمة المحتوى السخيف الفارغ .... أليس كذلك؟؟؟

تتحولين في هذه اللحظة إلى برميل سخافات ... تدفنين رأسك في حقيبتك محاولة البحث عن شئ ما .. . ربما كبرياء أهدرته تلك بمنتهى الأدب ... بينما تتعالى أصوات الضحك في الصالة ... و تصبح قهقهة ... و تتعالى اكثر فتطغى على صوت تنفسك الذي علا و علا و علا ... حتى اصبح يملأ الفضاء ضجيجا... تستأذنين متذرعة بصداع فتك برأسك ... هو في الحقيقة تصدع حاد أصاب كيانك كله و نال من كبريائك.





















16

رقصة الموت


كانت الصبية الفلسطينية الصغيرة كعود نعناع غض تسير في صمت مهيب باتجاه شارع يهودي.
الإجراءات الأمنية كثيرة جدا ..لكن أحدا لم يلتفت إلى صبية صغيرة طوقت عودها الغض بحمولة مميتة و مضت بإصرار و شجاعة لترقص رقصة الموت مشاركة اليهود عيدهم بطريقة استثنائية .
عليهم أن يفرحوا إذ ثمة صبية هنا ستقدم نفسها قربان عيدهم .
سترقص كثيرا في شارعهم القذر ..بل إن كل جزء من جسدها سيرقص وحده ..و يهتز بمعزل عن بقية الجسد.
كان الكره و الحقد في داخلها يغليان ..محاولان الخروج للسير بجانبها أو ربما ليتقدمانها في مسيرتها إلا أنها أصرت على إبقاءهما داخلا إذ أن طقوس الرقصة لا تسمح لهما بالظهور علانية.
و هكذا اخترقت كل الحواجز ..و هي تحتفظ برباطة جأشها ...محافظة على موعد مسبق حجزته مع موت أكيد ..توغلت في ازدحامهم ..نظرت إليها إحداهن و ربما أحدهم بارتياب ..أو بتساؤل ..همت تلك بالحديث معها فضغطت ذلك الزر ..إذ أن حقدها لن يلبث أن يخرج كاشفا عن هويتها بمجرد أن أحدهم حاول الحديث معها...
و هكذا بدأت الطقوس الاحتفالية التي تزفها إلى موعدها في رقصة أخيرة ..
رأت فلسطين جديدة ..خضراء..جميلة كأنها جنة من جنان الإله.
و رأت ورودا و طيورا و انهارا عذبة ..لا مكان هنا للدمار..لا مكان للدبابات و لا للقنابل ..آلاف آلاف الفراشات الملونة تطير و تحط من زهرة لزهرة..رأت أباها و أخاها ينظران إليها بانتظار أن تنضم إليهما.. و رأت تلك التي همت بالحديث معها و قد تناثرت أشلاء شيطانية صغيرة ..مقززة برائحة نتنة نتنة.
بعدها لم تعد تر شيئا إذ أنها أنهت طقوس الرقصة.









17




زجاجة عطر

استفاق بعد قيلولة العصر كعادته ... تبادل بضع كلمات مع أولاده ... أحضرت زوجته قهوة المساء التي خلعت رائحتها الذكية بردة على أنحاء المنزل الصغير ...جلسا على الشرفة يتناولانها بهدوئهما المعتاد ... نظر إلى عينيها العسليتين ... فاتنتين هما ... يشعر انه يغوص في أعماقهما كل مرة فيغرق في ذلك اليم اكثر ..كلما أطال النظر كلما كان غرقه عميقا ...
امسك بيدها ... شد أنامله على كفها الرقيق ... ما زالت هي هي ... بعد إحدى عشر سنة ما زال غارقا بتفاصيلها ... ما زال يحب الإمساك بيديها و العبث فيهما كطفل صغير ... ما زال يتفقد له مقعدا إلى جوار حضورها الدافئ أينما حلا ... تندر عليه أصدقاءه و تغامز الأصحاب و علق الأهل : ما لك تلاحقها كظلها ... لم تعد خطيبها يا رجل ... و كم و كم تحاملت النسوة على أزواجهن غيرة مما يبديه من تودد واضح لزوجته في حضورهن ... مثيرات بذلك امتعاض أزواجهن منه و من اندفاعه الجارف نحوها.
شئ خفي يشده إليها ... شئ يصعب مقاومته ... كأنها مغناطيس ...
ارتدى ثيابه و خرج من منزله مخبرا إياها انه قد يتأخر قليلا مع بعض أصحابه.. ...بعد أن طبع قبلة دافئة على ثغرها ... أودعها شوقا ينساب في حنايا فؤاده دون توقف .
يمضي الليل منذرا بحمل نجومه و الرحيل تاركا مساحة السماء للفجر ... و لم يأت بعد و هي تتقلب على فراش القلق إذ انه لم يقل بأنه سيبيت خارج المنزل .
و مع قدوم الصباح ... كان الهاتف القلق يبث تساؤلاته في أذن الأصدقاء و الأهل و الأقرباء... لكن أحدا لم يره .. حتى أولئك الذين ادعى انه سيسهر بصحبتهم ... مما زادها قلقا ... اتصلت بأقسام الشرطة و المشافي دون جدوى .
و مع طقوس الليل الموحش ... عُثر على جثته منتحرا ... بشنق نفسه في غرفة في أحد الفنادق ... يبدو انه استأجرها خصيصا لهذه الغاية ... تاركا وراءه ورقة رسم على سطحها الأبيض بقدره عدة اسطر ... يعتذر لها انه لم يستطع أن يسعدها و أن يهبها كل ما كان يتمنى أن يهبها إياه ... تكالبت عليه الديون ... و اثقل صدره بالهموم ... و طرد من عمله ... فلا اقل من أن لا يصبح عبءً عليها و على الحياة .. فقرر الانسحاب بهذه الطريقة.
صرخت المرأة من أعماقها ... أكرهك ... أكرهك من كل قلبي ... فلتذهب إلى الجحيم طالما انك أنت الذي اخترته.
و عندما قام المقربون بجمع أشياءه و ثيابه للتبرع بها كما جرت العادة قالت لهم بصوت حزين : خذوا كل شئ ... لكن دعوا زجاجة عطره .





































18



نومينيه


مطلع شهر.................
لا شئ يبهج و يمقت في ذات الوقت كمطلع شهر... حين يأتي و زوجته على جناح اللهفة إلى رحاب المنزل الصغير ...يحملان في جعبتهما بعض الفواكه ...التي تنبئ بأن حدثا كمطلع شهر اطل برأسه على تضاريس البيت المكتظ بأكثر مما يتسع ... و في جيبهما كنز متواضع من الليرات ... عليه أن يبتلع مشاكل الشهر كله و فواتيره و ديونه المبعثرة هنا و هناك ... عليه أن يسكب دفئا في حنايا المنزل و يطرد شبح الديون و يمحو بردها ...
يأتيان على أمل أن هذا الشهر سيختلف ـ لسبب ما لا يعرفانه ـ عما قبله و ما قبل ما قبله و ما قبلهما ... فلربما ـ أقول ربما ـ كان هذا الشهر أقصر عمرا .. أو أطول فرحا أو اقل مصروفا أو اكثر بركة ... من يدري ... لعل شهر شباط يطرح بركته على بقية الأشهر فيقص من أجنحة أيامها الطويلة .
و ككل شهر ... يعقدان اجتماعا هاما ... تبدو على ملامح كل منهما جدية مؤتمرات القمة العربية و لا جدواها ... يمدان النقود على قدر الفواتير ... يحاولان تقصير المصروفات و الفواتير على قدر النقود ... فلا ينفع هذا و لا ذاك ...
و كالعادة يقصان من هذا ليلصقان فوق ذاك و يقومان بالترقيع بين هنا و هناك ... عل ذلك يجدي نفعا ... لكنه لم يجد يوما.
فاتورة الهاتف , الكهرباء,الماء, دين البقال,مصروف كريم و ديمة, أقساط البراد الجديد...
انتزع الرجل نفسه من لجة اللاجدوى المرعبة التي غرق فيها حتى الضياع و جر قدميه جرا نحو السرير ... آملا أن يستفيق غدا و قد حصلت معجزة ما ... أو هبط عليه مالا من السماء ...يزيح عن كاهله عبء معضلاته التي لم يجد لها حلا.
استفاق في اليوم التالي و لا شئ هبط عليه من السماء سوى فاتورة إضافية كان قد نسيها في معترك الفواتير التقليدية التي اعتاد مراجعتها شهرا بعد شهر ...
ارتدى ثيابه على عجل ... ليتيح لجسده المهترئ كجيبه الوصول إلى شركة الهاتف لدفع مستحقات الفاتورة قبيل الذهاب إلى العمل ... جذب الباب وراءه مقفلا على بقية هموم النهار باب التأجيل لساعات عدة ... و مضى في طريقه ... و لم يصل إلى هناك إلا وقد تراشقت آلاف الأفكار العدوانية في رأسه مسببة له صداعا حادا .
و لحسن حظه المتعثر عادة ... لم يكن هناك من قد سبقه إلى صندوق المحاسبة ... اقترب من الصندوق.. لقم رقم هاتفه بسرعة للموظفة المتذمرة التي كانت راسخة في مقعدها كما لو أنها ولدت عليه ... فكستها رتابةُ الأيام غبارَ القرف و الاشمئزاز ... بينما ظهر على ملامحها قدم هذا المكان و إيغاله في عبثية الأشياء حوله ....
تلقفت الموظفة الرقم بسرعة اكتسبتها من جلوسها على ذات المقعد منذ آلاف السنين ... ضربته بسرعة على جهاز الكمبيوتر أمامها ... نظرت في الشاشة المضيئة ... ثم رفعت رأسها دون اكتراث قائلة تسعة آلاف و خمسمائة ليرة...
تسمر الرجل في مكانه بينما هرول حاجباه إلى أعلى دونما إرادة منه و تشنفت أذناه في محاولة لاقتناص الكلمات بشكل أوضح ...و بدا على المسكين انه لم يصدق ذلك الرقم الفلكي الذي قذفته الموظفة للتو في وجهه .
نظر إليها قائلا : غير معقول ... لا يمكن أن تكون هذه فاتورتي أنا ... ربما أخطأت ضرب الأرقام...
أجابته الموظفة بنزق واضح : أليس الرقم (7754354) با سم عبد القادر محروس .
أجابها و قد اسقط في يده : نعم تلك هي
ردت : إذن هذه فاتورتك بإمكانك أن تحصل على بيان تفصيلي بالأرقام ...
و بدون أن تنتظر جوابه طبعت البيان و رمته في وجهه بطريقة وقحة ... تلقفه الرجل بلهفة و أمعن فيه باحثا عن خطأ فادح قام هذا الجهاز اللعين بارتكابه ... لكنه تسمر في مكانه إذ رأى تكرار رقم إحدى المحطات الفضائية التي تبث أحد البرامج الذي تطلب مقدمته و بإلحاح عادة من الشبان و الشابات الإسراع بإنقاذ نجمهم المفضل من بين المتسابقين إذ انه في قائمة (نوميني أو الإبعاد) فكر في نفسه و من غيرهما كريم و ديمة ... قاما بعمل بطولي لإنقاذ المتسابق الذي تعرض لخطر الخروج من البرنامج نهائيا... و لكن من سينقذه هو بعد أن اصبح راتب الشهر (نوميني) من جيبه و ليس ثمة محطة فضائية واحدة تقف في صفه لتعيد الراتب المبعد.











19


خـواطــر
كان الرجل الذي ناهز الستين من العمر جالسا على كرسيه باسترخاء ينفث دخان الشيشة القابعة الى جواره بهدوء ..ويراقب ذلك الدخان الدخان الخارج من فمه وهو يرسم خطوطا عشوائية .. لا معنى لها .. بينما بدأت الخواطر تمر في رأسه .. بالكسل نفسه الذي يتملكه وبمرارة غيرت طعم الشيشة التي يدخنها.
كان يتابع زوجته وهى رائحة غادية تمارس أعمالها المنزلية بثوبها الفضفاض الذي يحيط بجسد أتسع محيطه كثيرا بينما ظهرت بعض تجاعيد على وجهها أضافت إليه مسحة من الطيبة والحزن في آن واحد .. كانت تمسح الغبار عن الأثاث بنفس الهدوء المعتاد عندما خطر له فجأة .. أين المرأة التي تزوجتها منذ ثلاثين سنة تلك المرأة الرشيقة الناعمة التي كانت ضحكتها تجلجل في أرجاء المنزل فتزلزل كياني ؟! أين هي ... هل يعقل أن تكون هذه العجل السمينة هي تلك المرأة نفسها ، ما الذي يجبرني على العيش مع هذه المرأة إنها لا تمت إلى الأنوثة بأقل صلة ، كانت هذه الخواطر تدغدغ خاطر الرجل وهو ينفث دخان شيشته ويتأمل امرأته بهذه النظرة التي تترجم أفكاره عندما حانت التفاته من زوجته والتقت نظراتهما وكأنها قرأت ما الذي يدور في خلده فأطرقت بخجل و دونما توقف أكملت على عجل أعمالها المنزلية. أدار الرجل محطة تلفزيونية ما فإذا بأغنية تصدح بإيقاعها السريع الراقص وعشرات من الصبايا يتلوين بأجسادهن الرشيقة وغلالات شفافة ضيقة ذات ألوان براقة تلف أجسادهن الراقصة فتزيد من إثارة تلك الأجساد التي جعلت صاحباتها وكأنما هن فراشات ملونة .. أو حوريات من حوريات البحر يتمايلن على أنغام أغنية تمجد الصبا نظر الرجل بأسى .... قال في نفسه هكذا فلتكن النساء أما امرأتي هذه .. فبالكاد تسمى الآن امرأة بل ربما لا أغالي إذا ما قلت أنها تنتمي إلى جنس ثالث لا أدرى ما أسمه .. ولربما ليس له أسم.. فهي ليست امرأة .. وليست رجلا ولا أي شيء على الإطلاق أنها.... لا أدري.... ربما كانت أماً .. أماً فقط ...... لكنها ليست امرأة بالتأكيد .في هذه الأثناء كانت ملامح المرأة تتقلص في امتعاض ملحوظ وكأنها بطريقة أو بأخرى تنصت إلى أفكار زوجها فيتملكها الغضب ولكنها مع ذلك تحاول أن تعيد ملامحها إلى مكانها الطبيعي وهى تكمل عملها بهدوئها المعتاد .فجأة .. رن الهاتف .. فأندفع الرجل قائما ليرد على الهاتف فإذا به يصرخ صرخة مدوية ويمسك ظهره بكلتا يديه قبل أن يكمل وقوفه تركت المرأة المكنسة وركضت إليه .. كان ظهره قد تيبس في منتصف الطريق بين الجلوس والوقوف .. أخذت المرأة تدلك له عضلات ظهره وهى تقول :ألم ينصحك الطبيب ألا تقف بسرعة يا رجل .. مالك لقد بلغت الستين ولم تعد ابن عشرين سنة وللعمر حقه، عضلاتك لا تستجيب لاندفاعك فلماذا تفعل هذا بنفسك كل مرة.هذه المرة .. أطرق الرجل عينيه إلى الأرض خجلا .




































20


بين الوهم و الحقيقة


دخان كثيف و أشباح تتراقص بجنون .. صخب و ضجيج , العالم مجنون حقا , و هو في لجة الصخب ... تائه , تتراءى له تلك الأشباح تتراقص فوق جسده ... يسمع أصواتا تهزأ منه و صراخ مجنون يطبق على سردابي أذنيه فيبدو و كأنه سيصاب بالصمم قريبا ... أركان جمجمته أضحت كطبل فارغ مجوف و الصوت يتردد داخلها صدى هازئ ... فتح ورقة صغيرة مطوية بعناية فائقة من كل الاتجاهات منعا لتسرب ما في داخلها ...سكب قليلا من البودرة البيضاء و اخذ يحضر جرعته الثانية لهذا المساء ... واحدة لم تعد تكفيه ... فالصداع يسحق رأسه و كل شئ مجنون مجنون .
وضع البودرة البيضاء على ظهر كفه و رفع كفه الآخر بنشوة غريبة و اغلق بسبابتها فتحة انفه اليمنى و اقترب برأسه من المادة المستلقية على ظهر كفه و استنشق جلها بحركة متقنة كأنما أدمنها هي الأخرى و رفع رأسه نحو السقف و هو يسحب الهواء المختلط بتلك المادة بكل قوته و بنشوة من الصعب وصفها ... و كأنه يخشى أن تفلت منه إحدى ذرات تلك المادة فتنقص مقدار نشوته ... صارت الأشباح اكثر طولا و اشد سوادا ... لاحت له الأضواء المتراقصة في ذلك المكان السنة لهب شيطانية تحيط به و تتمايل على أنغام الموسيقى الصاخبة التي تنبعث من كل الاتجاهات ... ازداد صداعه و كاد أن يفتك به ... حاول أن يحمل نفسه على الخروج من ذلك الصخب الشيطاني إلا أن جسده تهاوى و لم يستجب لأوامره ...(لا بد من جرعة ثالثة ) قال في نفسه (و إلا انفجر رأسي) .
( جرعة ثالثة) صارت الجملة تتردد في رأسه بنفس الرتم الذي تصدح فيه الأغاني ... لم يستطع أن يميز تراه الصوت في الحفلة ينطلق من رأسه أم انه يستولي على رأسه قادما من المكان حوله , ثم عاد و ضن على نفسه بالجرعة الثالثة إذ أن ما اشتراه اليوم من تلك المادة اللعينة كاد يودي بحياة أمه ... أمه التي يحبها بطريقة استثنائية فهي كل ما لديه و مع ذلك لم يتوانى عن فتح خزانتها و الاستيلاء على مجوهراتها و دفعها أرضا عندما حاولت أن تردعه عن سلب ما تبقى لديها من مجوهرات ...(لا بأس) قال في نفسه (ستتحمل ذلك كما تحملت ما قبله) و التمعت دمعة تحاول الانفلات من عينه قسرا .. سأل نفسه ترى هل تعرف أمه كم يؤلمه أن يعاملها بهذه الطريقة ؟؟ هل تعلم كم يحبها ؟ و كم مرة قرر أن يمتنع عن استنشاق تلك المواد لاجل عينيها ؟؟ لكنه لم يستطع .. كل محاولاته باءت بفشل ذريع و عاد اشد حاجة لاستنشاقها من ذي قبل .
عاد الصداع يشتد اكثر فاكثر (آه يا أمي لو تعرفين كم يتعذب ابنك ) صارت الأضواء تحرق عينيه وتلتمع داخل تجاويف دماغه ... صار الهواء خانقا كأن الأوكسجين قد فرغ من المكان و بدأت الأشباح تلتف حوله و تضيق الدائرة عليه شيئا فشيئا ...و كلما ضاقت الدائرة كلما طالت الأشباح اكثر و اشتد تواتر حركاتها عنفا و تراقصت السنة اللهب بطريقة اكثر شيطانية و زاد غثيانه و صداعه ... صرخ بأعلى صوته مناديا أمه إلا أن صوته لم يتجاوز أذنيه .
اخرج ما تبقى من الهيروين ووضعه للمرة الثالثة على ظهر كفه ... إنما هذه المرة باستعجال و دون أدنى نشوة ... استنشقه مرة واحدة و اغمض عينيه هربا من كل الشياطين التي في الدنيا ... إلا انهم خرجوا إليه من ظلام أوهامه فارتعد و فتح عينيه ... لم يجد ثمة فرق بين تصوراته و الواقع كلاهما مر مخيف ... بل لم يعد يعرف ما الوهم و ما الحقيقة فالأشباح ذاتها تحيط به سواء اغمض عينيه أم فتحها وتضيق عليه الخناق اكثر فاكثر ... و تنفسه يصبح اكثر صعوبة ... يتحشرج النفس في محاولة مستميتة للدخول إلى رئتيه لكن ذلك يبدو معركة طاحنة بين الموت و الحياة و يصبح التنفس حربا ضروسا بمعنى الكلمة ... يحاول انتزاع نفسه انتزاعا من لجة الجنون هذه إلا أن كل ذلك يذهب عبثا فعضلاته تعلن العصيان التام لأوامره و تحكم الأشباح سيطرتها عليه تماما و تمتد اكفها السوداء باتجاه رقبته و تحكم الإطباق عليها ... خاف أن يغمض عينيه فيجد الحال اكثر سوءا فظل يحدق بالسقف و هو يحاول التملص أو حتى الصراخ و لكن أنى لصراخه أن يُسمع وسط هذا الضجيج المرعب ,و فجأة ... يدخل أحد الأشباح العملاقة السوداء في محجري عينيه ... فيتحول الكون كله إلى لجة من سواد ... بينما يبقى هو محدقا في السقف منتظرا نجدة لن تأتي.


























21

عيد ميلاد


ثمة ثلاثة رجال سيحتفلون غدا ببلوغ الأربعين ... و لماذا غدا ... انه اليوم ... فقد تجاوز العقرب الكبير الثانية عشر بفضول أزلي.

-1-
لم يكن أمر ميلاده مهما لديه ... حتى انه ما عاد يذكره , بل ربما تمنى أن يكون الدهر قد عفا عن هذا
اليوم معفيا الحياة من مروره عليها ... أو معفيا إياه هو من ذلك المرور .
كان يضع رأسه الثقيل على وسادة القلق , بانتظار غد ٍ... كيف سينهي كل مشكلات حياته ؟ كيف سيطعم كوم اللحم الراكد باطمئنان مزيف في الغرفة المجاورة؟.
قال في نفسه : يا لمرارة الحياة.


-2-

منذ قليل و عندما تعانق عقربا الساعة عناقا حميما ليعلنا ولادة يوم جديد , اتصلت صديقته , هرع إلى الهاتف قبل أن تطاله يد زوجته أو تستيقظ على إلحاح الرنين , كانت صديقته على الخط الآخر أخبرته أنها طلبته في هذا الوقت لتكون أول من يهنئه بعيد ميلاده قالت له بأنها ستمضي سهرة الغد برفقته ليحتفلا سوية بهذه المناسبة ... ماذا سيقول لزوجته التي طلبت منه منذ يومين أن يتفرغ للمنزل مساء غد لان لديهم ضيوف مهمين على العشاء ... يا لها من حمقاء لماذا اختارت مساء غد لدعوتهم؟؟
كانت زوجته تتظاهر بالنوم بينما عشرات الأفكار تتطاحن في رأسها ...( يجب أن تكون حفلة الغد مفاجأة له... أرجو أن يحسن المحل صنع تزيين الحلوى ...لعل الأولاد يضبطون تصرفاتهم غدا فلا يخربوا مفاجأتي لأبيهم).
قال في نفسه بعد أن اعتذر لصديقته عن قضاء المساء معها : يا لمرارة الحياة.


-3-

منذ ساعات و هو يحاول النوم ... لا شئ يجبر عينيه على الكرى ... و كأن فراشه قد من الشوك، وكأنه ينام في وسط الجحيم ووسط قلقه المبعثر على تلافيف دماغه لم يلحظ انه قد مر بذكرى لحظة ميلاده منذ أربعين عاما ... نسي تماما عيد ميلاده .. تلك هي المرة الأولى التي ينسى فيها مناسبة مهمة كهذه .
منذ تورطه في هذه الصفقة اللعينة و أموره تزداد تعقيدا ... لن تهزه خسارتها كثيرا , لكنه لم يعتد الهزيمة مهما صغرت ... صفقاته كانت دوما رابحة , فهو شخص ناجح بكل المقاييس... لكن هذه الصفقة ... قد تودي بحياته إن فشلت .
قال في نفسه و هو يغمض عينيه قسرا : يا لمرارة الحياة .





































22


انكسار


كان يسير الهوينى على شاطئ البحر المعتم , و قد لمت الشمس ضفائرها النارية و أقلعت باتجاه عالم آخر , بينما أرخى الليل سدوله مبتلعا فضاءات الأضواء المتلألئة من بعيد , لم يكن ثمة هناك في هذا الليل الموحش سوى أصوات تلاطم الأمواج المنتحرة على الشاطئ منذ الأزل , و هو ينتزع قدميه انتزاعا بطيئا من لجة الرمل و يدفعهما للأمام بآلية كئيبة كئيبة , كل ما حوله يوحي بالحزن ... بالكآبة... بانتحار الفرح ... بصلب السعادة ... انه موت ... موت مطبق على كل نفس من أنفاسه المتحشرجة بألم هروبا من صدر مثقل حد الثمالة بالحزن ,تذكر فجأة كلمات أمه (لا تمش على الشاطئ وحدك في الليل فلربما أتتك جنية الماء و أخذتك إلى عالم آخر لا عودة منه) , ابتسم في نفسه ابتسامة مرة , مرة تماما كالحنظل ... قال في نفسه ... أين هي ... لم لا تأتي و تنهي كل فصول المأساة التي أحياها ... لماذا عليها أن تكون أسطورة ! أسطورة فقط, و ابتلع ريقه ممزوجا بآه محرقة و هو يتذكر انهيار أحلامه دفعة واحدة ... أعليه أن يدفن أحلامه و هو ما يزال في ريعان الشباب؟ ... ماذا ترك إذا للكهولة؟ ... أين أنت أيتها الجنية .. لم لا تأخذيني بعيدا حيث لا خيبات و لا انكسارات و لا هزائم ... لم لا تنتشليني من الدنيا و تغرسينني و أحلامي في عالم آخر ... و بينما هو يسير بتراخٍ تام أصابه نظرا لانعدام الدافع و الاكتراث بأي شئ حوله ... ارتطم جسده بشيء ما ... جسد ما ... كانت صبية رقيقة التكوين ... لم يتبين ملامحها جيدا توقف قليلا نظر إليها , شعر أنها تبادله النظرات و أحس أنها مثله تماما... ضائعة... حزينة... منكسرة... مهزومة ... قال لها من أنت ؟؟ لم تجبه سألها ... ما بك ؟و لم يحر جوابا منها... أضاف لم تسير فتاة مثلك وحيدة في مكان كهذا و في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل ؟... ظلت تنظر إليه دون أن تنبس ببنت شفة ... ثم استدارت فجأة و مشت باتجاه البحر ... سار وراءها مسلوبا من نفسه ... اندفع الماء البارد داخل حذاءه , إلا انه لم يفق مما هو فيه , نظر إليها كانت تتابع مسيرها داخل الماء دون أن يهتز لها جفن جراء اندفاع الماء البارد مخترقا خلايا جسدها الرقيق ...لم يوقفها صوته و هو ينادي توقفي ... ماذا تفعلين ؟؟ هل جننت ؟؟ ستغرقين.
و لأنها لم تجبه .. وجد نفسه مضطرا للسير خلفها ... لن تكون فتاة صغيرة رقيقة اكثر منه شجاعة حتما .
انكسرت الأمواج عن أعلى ساقيها بينما كانت لا تزال تعانق ركبتيه ... سارع خطواته وراءها عله يستطيع الإمساك بها , و كأنها أحست بخطواته وراءها فسارعت خطواتها اكثر ... غاص خصرها الدقيق في برودة الماء ... صمم أن يمسكها قبل أن توغل اكثر ... دب به الحماس فجأة و تعجل إيقافها ... لكنها كانت تسبقه بخطوات تتسارع كلما تسارعت خطواته ... كمن يلاحق سرابا ... لم يعد يرى منها سوى الرأس يمشي على حافة ماء البحر ... فقرر أن يسبح وراءها ... لن يسير سيرا كما تفعل ... عله يمسكها قبل أن تغرق ...هذه المجنونة لا تدري ما الذي هي مقدمة عليه ... كان سباحا ماهرا لم يسبق لاحد أن سبقه , سيعود بها ... حتما سيعود بها ... فكر في نفسه : لا بد إنها اكثر حزنا و انكسارا منه حتى تقدم على هذا دون أن يبدو عليها أي تردد و لا خوف ... الفتيات عادة يخفن من الظلام و من البحر ... لا بد إنها مهزومة حتى ذلك الحد الذي لم تعد فيه تحسب حسابا لأي شئ... وهو الذي كان يظن مخطئا انه الأكثر انهزاما و حزنا في العالم كله ...
في الصباح رمت الأمواج إحدى فردتي حذاءه على الشاطئ الذي حمل آخر آثار قدمين... وحيد كان صاحبهما و هما تتركان آثارهما على الشاطئ بصمة حزن و انكسار.
































23

مفترق طرق

على مفترق الطرق ... و لا يدري أيهما الجنة و أيهما الجحيم ... يفاضل بين قلبه و عقله و تأتيه الأجوبة متفاوتة بين اللا و النعم ... يحب هذه و تريده تلك ... هذه الخجولة الرقيقة ... لن تستطيع أن تهبه ما بوسع تلك أن تقدمه إليه ... و هل سيعيش هو و هذه في الشارع... المال زينة الحياة الدنيا هكذا قال الخالق عز و جل فكيف سيستطيع أن يرفض المال .
و الحب؟؟ هل سيترك الحب وحيدا يقف تحت المطر دون مظلة؟ ... عيناها تتكلمان معه تناجيانه... ترجوانه بإصرار أن يضمها إليه ... أن يخبئها تحت جناحه من لهيب الصيف و برد الشتاء... و أن يحميها من ظلم الحياة ... تقول له الكثير الكثير... و تحرقه المفاضلة بين اللا و النعم و قرار من الصعب اتخاذه ... و حب قد يضيع و مال قد يهرب منه ... ماذا يفعل؟؟
أينتصر للحب و الفقر معا أم يندفع لما كان يحلم به من ثراء و منزل مريح و حياة إن لم تكن باذخة فهي على الأقل مريحة ...
و بين فصول معاناته طفلا من فقر لم يكن ذنبه ... و بين ظروف صعب على شخص واحد من دم و لحم إن يتحملها وحده ... و بين مجتمع يساويه بما في جيبه دون أن يقدر قيمته الإنسانية ... وجد نفسه مدفوعا إلى المال ... يريد أن يشتري نفسه به ... يشتري ذكريات طفولة حلوة لأطفاله الذين لم يرهم بعد ... يريد أن يهرب من تلك النظرات القاسية التي كانت تطل عليه من كل من هم حوله ... لانه فقير .
ووسط إجراءات الفرح ...و شراء المنزل ... و العرس و شهر العسل و الحمل و الولادة و كل ما تحمله في طياتها الحياة ... نسي كل شئ , لم يعد يتذكر قلبا احبه بصدق و احتواه كطفل بين أضلاعه ... لم يعد يتذكر اسمها...شكلها ...عيناها ...و ابتسامة الفرح المكابر التي كانت ترتسم على محياها كلما رأته .
لكنه لم يجد الجنة حيث كان يحلم بها ... لم يجد السعادة هناك حيث اختار أن تأتيه السعادة ... و لا وجد وطنا يركن إليه من غربة الزمان و المكان التي تنتابه كلما تذكر انه ما زال في حاجة إلى حنو نظراتها وارتباكها عند رؤياه و خطواتها التي كانت تتعثر كلما وقعت عيناها عليه.
أكان الندم كافيا ليمسح جرحا في حنايا الفؤاد؟؟
أكان الحب كافيا لينكأ جراح الماضي و يداويها في لحظة واحدة ؟
هل كان يحبها فعلا لكي تنسى كل شئ لحظة يضمها إلى صدره معتذرا عن انتظارها له دون جدوى؟
متأخرا أتى ... متأخرا عن الفرح ... عن الحب ... عن السعادة ... متأخرا عن قلبها الذي تمزق لكثرة ما ناح و بكى ... متأخرا عن ظمئ المشاعر و احتباس الشوق بين الضلوع .
وقف قرب منزلها ليجدها برفقة رجل آخر يضمها بحب اوجع قلبه و بينهما صغيرهما الذي يخطو خطواته الأولى على درب الحياة.



خـلــف قـضبــان الـحـضــارة

للقاصة / لبنى ياسين

ظلال قاتمة تلقي عتمتها على شظايا منعطفات الروح,وتختنق الآمال على حافة فلسفة لا شأن لي بها, ألملم بعثرة الذات عن أزقة الوهم, فأحظى ببعثرة اكبر,تتلاشى أحلامي كخيوط دخان في ليلة عاصفة,تتمزق على حدود الأفق,ويبدو كل شئ صعبا حتى ثمالة الوجع,فتطبق الدنيا كف اليأس على أنفاسي في محاولة لاقتلاع نفسي الأخير من بين ضلوعي, ويبتلعني غضب أحمق..أتقيأ ظله على ملامحي لتصبح أكثر اكفهرارا....لكن لا...لن تمزقـني عواصفهم مهما أرعدت.
كل يوم أمر بذات الطقوس, وتنغلق تلك الطقوس على روحي, ويغمرني شعور بأنني لن أتحمل يوما آخر, لكني لا البث أن أعود إلى هدوئي, كلما اقتربت من تلك البوابة,وشعرت بمئات العيون تتربص بي, تحمل في طياتها الشماتة والسخرية, وربما حمل بعضها نوعا من التعاطف أو الإشفاق, تلك الحراسة الملفقة على فضيلة وهمية, تغتال إنسانيتي كل يوم, حين ينقض أصحابها علي ومن معي بضراوة, لينتزعوا- كما يقولون- مجرد شال عن رأسنا, ولا افهم إن كان فعلا (مجرد شال) لمَ يعطونه مثل تلك الأهمية, ثم يعودون ليقولوا انه رمز ديني, وكأن الكون ضاق على اتساعه, وخلت ساحاته من كل معضلة – لا حروب ولا مجاعات , لا كوارث, أو فقر- لا شئ مطلقا يستحق القلق إلا حجابنا.
سورونا تماما,؟ أحاطوا بآمالنا وطموحاتنا وأودعوها سجن الخيبة, لا مهرب لأي محجبة إلا بانتقاء احد الطريقين..إما نزع الحجاب, أو الانكفاء في المنزل في عزلة تقـتل إنسانية المرأة, فحتى فرص العمل تستنكف عن توظيف المحجبات..لا لشئ ألا ارتداء الحجاب... ولا افهم كيف يكون مقياس العطاء في أي عمل هو الحجاب والدين, وليس الشهادة والكفاءة والمثابرة, لا ادري كيف يقيس السلوك الحضاري قدرة الإنسان على العطاء , دون أن يضع كفاءته في الميزان, ولا افهم كيف يكون لمن هي اقل كفاءة من أختي, إضافة إلى كونها مدمنة على الكحول,أولوية في العمل أكثر من أختي المتفوقة الخلوقة, لمجرد أنها لا ترتدي حجابا, أي عدل هذا ؟؟ أكاد أتمزق ألما وأنا أرى طبيبة متميزة مثلها تقبع بين أربعة جدران ضحية حرب على الحجاب خصوصا والإسلام عموما, دون أن ينظر إلى تلك الأخلاق العالية التي تميز فتاة كأختي, بأنها نتاج نفس الثقافة التي أنتجت الحجاب.
في مدرستي, كنت اشعر بنظرات الاستغراب والاستهزاء أحيانا من البعض, لكنني لم أكن أبالي, ليس بالقدر الذي يحطمني على الأقل, كنت واثقة بان اجتهادي وسلوكياتي ستفسح مجالا لاحترامي شاءوا أم أبوا, وذلك ما حصل ...كنا أنا وصديقاتي المحجبات بزّينا المحتشم وسلوكنا المنضبط مثار إعجاب مبطن, قـلة من بـدا ان بيننا وبينهم جدار...ارتفع وطال حتى غدا جبلا من جليد.
ورغم اني كنت أكثر حظا من قريبتي التي رفضت إدارة مدرستها رفضا قاطعا التعامل مع أي بديل مخفف للحجاب, فكان الخيار إما انتزاعه بشكل كامل أو البقاء في المنزل, بعكس مدير مدرستي, والتي تشغل مساحة صفوفها على اختلافها عدد من المحجبات ,ذلك انه ابتكر حلا لقانون منع الحجاب وضعنا في زاوية سهلت علينا البقاء في المدرسة, كان حله بمنتهى البساطة القبول بوشاح يوضع على الطريقة الغربية التي تعتمد الموضة, واشترط أن لا يخفي الوشاح جبيننا أو أذنينا ليـبدو فعلا وشاحاً ينتمي إلى متتبعات الصيحات الحديثة في الأزياء.
لم تمانع إحدانا..ولم ستمانع وهي تعلم أن هذا هو أقصى ما يمكن الحصول عليه باستثناء بقائها في المنزل دون شهادة تذكر, ومنذ ذلك اليوم ونحن على غرار بقية المسلمات في بقية المنشآت الحكومية في فرنسا, نخضع لتفتيش يومي نبتدئ به صباحنا...إجراء يقول لنا : صباح الخير أيها الإسلام...انك اليوم مستهدف حتى بأدق تفاصيلك.وأكاد اصرخ من قلبي : ما شأنكم بحجاب لا صوت له ولا رائحة إلى هذه الدرجة, لكنني ابتلع لساني وأنا أتذكر الخيار الثاني...الحرمان من التعليم.
كالعادة اليوم اقترب من بوابة المدرسة, فابدأ في انتزاع حجابي, وتحذو صديقاتي حذوي بهدوء, يلوح من بعيد شبح مدير المدرسة ومعاونه, يقفان لاستقبالنا بتفتيشهم اليومي, ليتهم يفتشون عن المخدرات بنفس الدقة التي يفتشون بها تفاصيل حجاب, وككل يوم تعودنا فيه على جدال بينه وبين أذنـي ياسمين التي تحاول جهدها أن تغطي تفاصيلها في محاولة يائسة لابقاء ما يشبه الحجاب على الأعضاء المطلوب تحجيـبها.
يتوجه المدير بكلامه إلى ياسمين واشعر أن بعينيها غضباً قد يقتلع المدرسة من مكانها, يبادرها: ياسمين...هل علي أن أقول لك كل يوم أنني أريد أن أرى أذنيك ؟ هيا أخرجيهما...ستسمعين بشكل أفضل هكذا بعد ظهورهما...ماذا أرى ؟؟ بدلت اللون الأسود أخيرا ؟؟ خيرا فعلت..فأنت تعلمين أن اللون الأسود يعتبر رمزا دينيا , تكفهر ملامح ياسمين وتتقلص, ويبدو واضحا اندفاع الدموع من عينيها , تحاول ضبط إيقاع أنفاسها لكنها لا تفلح, ولا يبدي المدير- الذي اعتاد الشجار معها اثر كل تلك الشكاوى من أستاذ التاريخ المتطرف الذي تعمد استفزازها عدة مرات- أي اكتراث بغضبها, فيشير بإصبعه إلى جبينها قائلا: ارفعيه عن جبهتك...أريد أن أراها بوضوح, ويأتي صوت من الخلف: هيا دعينا نرى جبهتك أيتها الفاتنة.
لم تكن ياسمين فاتنة حقا, لكنها كانت شعلة من الذكاء, لم ترض يوما بأقل من أعلى علامة في كل المدرسة لأية مــادة من موادها, كانت من ذلك النوع الجدي الصارم الذي يضع المستقبل إزاء عينيه فلا يفلته أبدا.
وبالرغم من ذلك فقد فوجئنا كلنا في اليوم التالي بقرار طردها من المدرسة اثر نقاش مع أستاذ التاريخ, أدلى بعده الأخير بدلوه قائلا: أن بكاءها الحار عند انتزاع الشال عن رأسها, ونقاشها الذي يحمل أفكارا منظمة ومرتبة للدفاع عن الحجاب...يشيران بشدة إلى علاقتها بجهة متطرفة.

****************************


غـائـب .. حيـث يجـب أن أكــون
للقاصة /لبنى ياسين

آلاف (اللاءات) و ال ( لماذات ) تعشوشب في مجاهل ذاتي وتطفو طحالبها على مستنقع الخيبة , وتبعثرني أسئلة لا أجوبة لها بين غـيابـين وحضور فاحش.
أكاد أغرق في عوالم مزرية يحكمها الرفض الذي يغشي العـيون من حولي , لم يعد للخداع مكان, ولا للكذب معنى .. من الواضح أننا جئنا هنا من اجل قضية ليست موجودة لنقاتل شعبا أمِنّا في أرضه فنحرق بقايا إنسانيته, ونوسعه حزنا وثكلا وألما.
يقتات الناس من حولي غربة وطن لم يعد لحدوده متسع لفرح ولا لأمل ولا لأمان , ولم يعد فيه مكان لخيبة إضافية واحدة , فقد نضحت الأرض بما فيها.
ابتلع مع نظرات البشر المتوجسة شرا ألف خنجر و ( لماذا ) تغوص في حلقي بطعم الحنظل ووخز الشوك.
اشتاق لمنزلي, لأمي, للحي المفعم بالحياة , للحانة , للرصيف , ولشقرائي التي لم تعد تنتظرني بعد أن طال غيابي ,ويباغتني ذلك الإحساس باليتم, فأتساءل بيني وبين نفسي: لماذا لا نحس بقيمة الأشياء إلا عندما تستبعد خرائط الأمكنة والمسافات ظلال أجسادها عن مدى أنظارنا؟ولماذا يكون عندها للفقد طعم الفطام الأول؟واقف عند حدود أسئلتي التي لا امتلك أجوبة لها, احتسب أيام الغربة المغرقة باللاجدوى , فلا أجـد لأبعادها ظلال نهاية انتظرها , ولا شبح أمل يحدوني للفرح.
من الحمق أن تخوض معركة ليست لك لتحصد انتصارا وهميا تعلقه على جمجمة تكتشف في النهاية أنها ليست سوى جمجمتك المتعلقة بحبال التساؤلات التي لا تجد لها إجابات مقنعة أو حتى مواربة تجعلك تغمض عينيك بشبه ارتياح.
ومن الجنون أن تفقد أصدقاءك واحدا تلو الآخر , وتبحث عنهم لتجد أشلاءهم الممزقة وقد أضحت وقودا لنار لم تدفئ أضلاع خيبتهم يوما.
والغريب في خضم كل هذا الجنون المتدفق كّم المستحيلات التي تعيشها وأنت تحاول أن تجمع أشلاءك وتلملـم بعثرتك , أن تجد لنفسك مبررا لكي تعود أنت كما كنت سابقا إنساناً لا يعيش ازدواجية حضارة لم يفهم ما الذي أوقعه في براثن تناقضاتها , إنساناً يعيش قناعاته ويتصرف من خلالها , لكن ذلك يبدو خارجا عن المنطق , فأنت تتعاطف مع عدو قتل منذ دقائق فقط احد أصدقائك , ذلك الذي كان يتمتم قبل موته بقليل ترانيم نشيدك الوطني ذاته , فهل تخذل جـثـته أم تخذل قناعاتك ؟؟ وهل تقف مع انتمائك وأنت تعرف أن أصحابه ليسوا على حق أم تقف في جبهة ضد نفسك ؟؟
يداك الملوثتان بالدم , وجسدك الكليم المسجى بالدم والجراح , لأيهما تنتمي ؟؟ لأيهما تـنتصف ؟؟ أليديك وهي تقتل الأبرياء كل يوم ؟؟ أم لجسدك الذي اخترقته رصاصات عدوك المزعوم وهو يحارب في معركة ليس من أهم صفاتها التكافؤ أو العدل ؟؟.
تريد أن تعود إلى أرضك ؟ أن تستيقظ صباحا لتكتشف أن ما عشته لم يكن إلا كابوس يوم كئيب فتجتث بكل بساطة كل تفاصيله دفعة واحدة ؟ تتقيأها من أحشاء دماغك وتتظاهر بأنها لم تحدث مطلقا ؟؟.
لكنك بدلا من ذلك تستيقظ على غثيان أسئلتك : لماذا يستيقظ العراقي صباحا ليجدنا وقد زرعنا أرضه دمارا ودمــا ؟؟
أين تلك الديمقراطية التي زعمنا أننا سنقدمها على طبق من الفضة للعراقـيين؟؟ وكيف حدث أنهم يقاتلوننا مع ما قيل لنا بان الشعب العراقي سيستقبلنا بالهتاف والترحيب ؟ وما جدوى تواجدنا هنا ونحن نحصد الأرض دمارا وتحصدنا عملياتهم الانتحارية موتـا ؟؟ كيف بلـغ الكره بيننا أن يقتلع احدهم روحه من بين دفـتي صدره ليقتـل ما لا يتجاوز أصابع اليـد الواحـدة منا ؟؟
لا .. لا لم يكن يوما هذا مفهومي للترحيب الذي انتظرته.. هل يساوي النفط كل هذا الدمار؟؟ الم يكن ارخص لنا أن نشتريه مهما بلغ سعره ؟؟ من هو الإرهابي ؟؟ أهو حقا صاحب اللحية والعمامة ؟؟ لا بد إذن أن لنا ألف عمامة ولحية مخفية كما هي أسباب حربنا هـذه.
أسئلة تكاد تشق صدري .. تغتالني في اليوم ألف مرة فابتلعها على مضض .. احمل سلاحي في وجههم خارج الثكنة , وارثي لهم وقد ضمتني حواف سريري في رحلة منفردة مع الـذات .. انتمي للجيش الأمريكي صباحا , ويدميني سجن أبو غريب وسجن الديسكو ليلا .. وما بين تقلبات الليل والنهار يغشاني ألف انقلاب وانقلاب يتداول أعضاء جسدي ورؤيا حواسي وأفكار رأسي .
لقد خُـدعت ... نعم لقد خُــدعت .. فأنا لست هنا في مهمة نبيلة لأحمي شعبا وأعمر أرضه بالحرية , بل أنا هنا اغـتال وطنا ليس لي , ولست كما كان يبدو لي أحارب الإرهاب من جبهة الديمقراطية , إنما أنا أمارس جميع أنواع الإرهاب التي لم تخطر ببال احد , بين ممارسات أناملي وممارسات بني جلدتي وحكومتي... مذنبـون مذنبون حتى العظم في دمار مـدقـع أصاب امـة بكاملها .
أين أنت " حمـورابي " لتحاكمنا بشرائع العـدل على اغتيال العدل على أرضك ؟ أين أنت لتعّـرف لنا الحضارة من جـديد بعد أن التبس أمرها علينا ؟ وأين حضارتنا من بدائيتك المتحضرة؟
البارحة , وفي جلسة شبه حميمة ضمتني وصديقيّ جون وجورج , اقتحمتنا فيها جذور الحنين حتى النخاع فارتفع صوتي فاضحا هشاشة أفكاري أمام جبروت معتقداتهم قائلا : إن ما نمارسه على هذه الأرض هو الإرهاب بأم عينه , فأجابني جون ساخرا : ومن سيحاكمنا ؟ من يجرؤ ؟ صدمتني تلك الفكرة تماما , تلك هي القضية إذن , منطق الأقـوى.. فما دمنا نحن الأقوى نستطيع أن نعبث بالكلمات والمفاهيم بمباركة كل ضعيف في الأرض .. ما دمنا الأقوى نستطيع أن ندعو إرهابنا عدالة , وهجومنا دفاعا, واعتداءنا حقـا .. ما دمنا الأقوى فلا بأس من أن نصنع ســلـّما من جماجم الشعوب لنصعد عليه إلى عرش الاستبـداد .. ما دمنا الأقوى فان إراقـة الدماء لا تعتبر إلا قربانا للوصول إلى مجلس قرب أقدام كبريائنا . وقد يغدو كل دم نريقه ماءً آسنا لا ثمن له في ميزان القـوة .
وأنا الذي أتيت مخترقا البر والبحر في قضية خلتها نبيلة , قضية عادلة تتلخص في ذهني أيام السذاجة الأولى في حق كل إنسان في حريته , كنت اعتقد أننا ( محكومون بالحرية )* , وان لكل إنسان الحق في أن يرفع عقيرته معترضا رافعا (لاءه) عرض سماء الكرامة , فإذا بي أنا نفسي صاحب القناعات المقنعة والشعارات البراقة بالزيف اختنق بـ (لائي) وهي تتضخم في داخلي لتصبح سرطانا يجتاح كياني .
أتلقف أخبار الوطن : أمريكا بلد الحرية فاسمع خبر الإعصار الذي سيبـدأ باجتياح ولايتي ولا يعلم غير الله مـدى ما سيدمره ؟ لست ادري أي إعصار اشد وقعا ؟ إعصارٌ زلزل كيان معتقداتي وحطم عوالمي الداخلية , أم ذلك الذي سينطلق نحو ولايتي ومنزلي هناك في أمريكا ؟.
اطمئن نفسي .. نحن بلد الحضارة .. لن تهزمنا بدائية الطبيعة .. لا بد وأنهم الآن يقومون بتلك الإجراءات التي تضمن سلامة مواطنينا , اكلم أمي , تبكي , تنتحب , ومن خلال آهاتها الحرى تأتيني كلمة لا تقلق .. كل شئ على ما يرام , فلا اقلق , لأنهم قالوا لامي أن كل شئ يسير بشكل جيد.
يضرب الإعصار شواطئ الوطن , وتضربني أمواج الحنين بقوة .. تنهار المباني بقوة الأمواج التي فاقت توقعاتهم .. وتنهار أعصابي بالدمار الذي يحدق بي من كل صوب خارجا عن حدود كل الاحتمالات الممكنة .. تستحيل كاليفورنيا أطلالا خربة لا تقل عن العراق دمارا ووحشة .. ويستحيل قلبي مدينة ضربها إعصار الأكاذيب الكبيرة والشعارات الزائفة .. تمر كاميرا المصور أمام منزلي .. كنبتي الحمراء التي ما كنت اجلس إلا فوقها صامدة وحدها بين أشلاء كل شئ كان يوما شيئا , وحدها كنبتي الحمراء بقيت صامدة في وجه إعصار اكتسح حتى بيوت النمل .. تتصل خالتي معزية بموت أمي , أمي التي كانت ترجوني أن أعود خوفا من أن تتلقى خبر موتي هنا على غرار ما حدث مع آلاف الجنود الأمريكيين, فإذا بي أتلقى خبر موتها على جبهة الإعصار.. يخرج المذيع وعلى وجهه أشلاء آخر خيبة تلقاها في يومه ليعلن أن الآلاف ماتوا تحت الأنقاض بسبب نقص الكوادر العاملة بالإنقاذ و قلة المروحيات التي كان يجب أن تتوفر في مثل هذه الكارثة لتنقل البشر خارج حدود المدينة المنكوبة ..يا الهي ؟ ! .. ها أنا هنا اختنق بين حرائق العراق وفيضانات أمريكا, حاضرا حيث يجب أن لا أكون وغائبا حيث يجب أن أكون , القي نظرة خارج حدود الثكنة لأرى عشرات المروحيات تزين الساحة باستكانة صمتها بعد غارة قضت فيها على من قضت , ويتمت من يتمت , وأثكلت نساءً ليس من بينهن أمي .. يا الهي.؟! ألـم يكن من الأجدى أن تكون مروحياتنا هناك في الوطن لتنقذ أمي ؟؟ هل مكاننا حقا هنا ؟؟



************************************


أصابع جدي

كل يوم ادفن نفسي في السرير لأشعر بيديه تضغطان على رقبتي ...و اشعر بالدموع و قد أصبحت محيطا غرقت بين أمواج حزنه العاتية.
منذ بلغت السابعة من عمري وأمي ترسلني كل يوم إلى جدي في البناء المجاور لنا لآخذ إليه الطعام وآتيها بالأواني الفارغة و لأجيب مطالب جدي التي لم تعرف يوما حدا لبشاعتها.
قبل أن يحدث ما حدث كنت ادخل إليه بقلب مفعم بالحب , أضمه و أقبله و أقفز حوله كأرنب صغير و أخطف منه أصابع الحلوى بفرح طفولي غامر ... بعدها صرت ادخل إليه مفعمة بالهم و الأسى , ذلك الهم الذي كنت صغيرة جدا على إدراكه , لكنه أدركني , و اخرج من منزله غارقة بالشعور بالذنب و بشعور بشع بالقذارة يكتنف كل خلاياي و تجثم صخرة كبيرة فوق صدري و يكتنفني شعور بالغثيان يجعلني أتمنى أن أتقيأ كل قرفي مرة واحدة ...لكنني لا أستطيع , فاجري إلى أمي اطلب منها أن تغسلني فتردني قائلة انه ليس وقت الاستحمام .
لم استطع أن اردعه مرة واحدة , كنت ابتلع قرفي و دموعي و ذلك الشعور القاتل بذنب لم اقترفه بينما أستحيل تدريجيا إلى كائن تجتمع على جسده الصغير كل أنواع القذارة , أمي قالت لي أن الكبار دوما على حق و أن علي أن أطيعهم و لم تخبرني مرة واحدة ماذا افعل إذا شعرت في أعماقي أنهم ليسوا على حق و أن ما يفعلونه قذر جدا و ليس بصواب , أما أبي فقد قال لي مرات و مرات احذري الغريب يا صغيرتي , لا تتكلمي مع الغرباء و لا تقتربي منهم و لا تدعيهم يلمسونك , ووددت لو صرخت مرة واحدة : بل احذر أنت أقرب الناس إليك , احذر أباك , أبعد أصابعه القذرة عن جسدي . لكنني لم افعل , و كثيرا ما سألت نفسي ِلـمَ لم افعل ؟ ِلمَ لم اخبر أمي أو أبى ؟ ِلمَ لم تسألني أمي مرة واحدة عن السبب الذي يجعلني اطلب إليها أن تغسلني كلما عدت من منزل جدي ؟؟!!ليتها فعلت , ربما استطعت أن أبوح لها بالسر الذي زلزل كيان طفولتي و اغتال بريق الفرح من عيني و حول ليلي إلى عرض مستمر من كوابيس دمرت سكون نومي , لكنها لم تفعل.
أخضعني جدي لطقوسه القذرة حتى بلغت الرابعة عشرة , ثم توقف عن ذلك تلقائيا , تراه خاف بعد أن بدت علي معالم الأنوثة أن افهم ما كان يفعله , أم أن الكبر هد البقية الباقية من قذارته ؟ لست ادري ... كل ما اعرفه انه توقف تماما و لم يعد ينظر في عيني أبدا , بل انه كان يتحاشى أن يكلمني و ذلك ما اثلج صدري و أزاح جزء من عبء وجوده الذي اكرهه عن كاهل أعصابي و لو أن نزيف مشاعري لم يتوقف لحظة واحدة .
بدأت سن المراهقة و لم ابدأ معها لعبة الأسرار , ذلك أنني تمرست في تلك اللعبة تماما بفضل جدي و لم يعد صعبا علي أن اخفي نزيفي و جراحي و خوفي و حتى قذارتي ... كل ذلك كان سهل جدا علي ... لكن الصعب كان دخولي إلى سريري حيث تبدأ أصابعه كل ليلة بالإطباق على رقبتي فتتحشرج أنفاسي و أصرخ دون صوت و تغرق مخدتي في دموع الألم و نزيف الأحاسيس.
بعدها تعددت مشاويري برفقة الأصدقاء و بدأت أمارس امتدادات تلك الطقوس , لم يكن جدي هذه المرة من يجبرني , بل كان شيئا خفيا في داخلي يدفعني دفعا لاستجيب لأي إشارة من شاب أو رجل و امضي برفقته و أمتع نفسي بعدها بتمزيقه و اللعب بأعصابه , كنت كتمثال من الجليد لا املك إحساسا تجاه أي واحد منهم و لا حتى قليل من التعاطف كل ما كان يعنيني هو تحطيمهم وإتعاسهم و تمزيق أسرهم و استقرارهم و إفلاسهم و رميهم ورائي, بعدها كنت اشعر بالرضا و الفرح , أشعر أنني انتقمت من جدي و قتلته , كنت اعلم تماما أنني اقتله مع كل دمار اسببه لأحد هؤلاء , و كنت استمتع بقتله و تعذيبه مع كل تدمير اسببه لواحد من جنسه البغيض ... أتلذذ كما يتلذذ طفل بأكل الحلوى .
أعود بعدها لمنزلي لتختفي مشاعر النشوة بمجرد أن تضمني جدران منزلي و أرجع طفلة لم تتجاوز العاشرة و اسمع صوت أمي و هي تردني عن الحمام فينفلت شعوري بالقذارة ليطال كل شئ حتى الطعام , و أعاف كل شئ و امضي إلى سريري و بمجرد أن أخبئ جسدي في وحشة ظلامه أعود لأشعر بأصابع جدي تلتف حول رقبتي فأصرخ دون صوت من جديد .




أصابع جدي

كل يوم ادفن نفسي في السرير لأشعر بيديه تضغطان على رقبتي ...و اشعر بالدموع و قد أصبحت محيطا غرقت بين أمواج حزنه العاتية.
منذ بلغت السابعة من عمري وأمي ترسلني كل يوم إلى جدي في البناء المجاور لنا لآخذ إليه الطعام وآتيها بالأواني الفارغة و لأجيب مطالب جدي التي لم تعرف يوما حدا لبشاعتها.
قبل أن يحدث ما حدث كنت ادخل إليه بقلب مفعم بالحب , أضمه و أقبله و أقفز حوله كأرنب صغير و أخطف منه أصابع الحلوى بفرح طفولي غامر ... بعدها صرت ادخل إليه مفعمة بالهم و الأسى , ذلك الهم الذي كنت صغيرة جدا على إدراكه , لكنه أدركني , و اخرج من منزله غارقة بالشعور بالذنب و بشعور بشع بالقذارة يكتنف كل خلاياي و تجثم صخرة كبيرة فوق صدري و يكتنفني شعور بالغثيان يجعلني أتمنى أن أتقيأ كل قرفي مرة واحدة ...لكنني لا أستطيع , فاجري إلى أمي اطلب منها أن تغسلني فتردني قائلة انه ليس وقت الاستحمام .
لم استطع أن اردعه مرة واحدة , كنت ابتلع قرفي و دموعي و ذلك الشعور القاتل بذنب لم اقترفه بينما أستحيل تدريجيا إلى كائن تجتمع على جسده الصغير كل أنواع القذارة , أمي قالت لي أن الكبار دوما على حق و أن علي أن أطيعهم و لم تخبرني مرة واحدة ماذا افعل إذا شعرت في أعماقي أنهم ليسوا على حق و أن ما يفعلونه قذر جدا و ليس بصواب , أما أبي فقد قال لي مرات و مرات احذري الغريب يا صغيرتي , لا تتكلمي مع الغرباء و لا تقتربي منهم و لا تدعيهم يلمسونك , ووددت لو صرخت مرة واحدة : بل احذر أنت أقرب الناس إليك , احذر أباك , أبعد أصابعه القذرة عن جسدي . لكنني لم افعل , و كثيرا ما سألت نفسي ِلـمَ لم افعل ؟ ِلمَ لم اخبر أمي أو أبى ؟ ِلمَ لم تسألني أمي مرة واحدة عن السبب الذي يجعلني اطلب إليها أن تغسلني كلما عدت من منزل جدي ؟؟!!ليتها فعلت , ربما استطعت أن أبوح لها بالسر الذي زلزل كيان طفولتي و اغتال بريق الفرح من عيني و حول ليلي إلى عرض مستمر من كوابيس دمرت سكون نومي , لكنها لم تفعل.
أخضعني جدي لطقوسه القذرة حتى بلغت الرابعة عشرة , ثم توقف عن ذلك تلقائيا , تراه خاف بعد أن بدت علي معالم الأنوثة أن افهم ما كان يفعله , أم أن الكبر هد البقية الباقية من قذارته ؟ لست ادري ... كل ما اعرفه انه توقف تماما و لم يعد ينظر في عيني أبدا , بل انه كان يتحاشى أن يكلمني و ذلك ما اثلج صدري و أزاح جزء من عبء وجوده الذي اكرهه عن كاهل أعصابي و لو أن نزيف مشاعري لم يتوقف لحظة واحدة .
بدأت سن المراهقة و لم ابدأ معها لعبة الأسرار , ذلك أنني تمرست في تلك اللعبة تماما بفضل جدي و لم يعد صعبا علي أن اخفي نزيفي و جراحي و خوفي و حتى قذارتي ... كل ذلك كان سهل جدا علي ... لكن الصعب كان دخولي إلى سريري حيث تبدأ أصابعه كل ليلة بالإطباق على رقبتي فتتحشرج أنفاسي و أصرخ دون صوت و تغرق مخدتي في دموع الألم و نزيف الأحاسيس.
بعدها تعددت مشاويري برفقة الأصدقاء و بدأت أمارس امتدادات تلك الطقوس , لم يكن جدي هذه المرة من يجبرني , بل كان شيئا خفيا في داخلي يدفعني دفعا لاستجيب لأي إشارة من شاب أو رجل و امضي برفقته و أمتع نفسي بعدها بتمزيقه و اللعب بأعصابه , كنت كتمثال من الجليد لا املك إحساسا تجاه أي واحد منهم و لا حتى قليل من التعاطف كل ما كان يعنيني هو تحطيمهم وإتعاسهم و تمزيق أسرهم و استقرارهم و إفلاسهم و رميهم ورائي, بعدها كنت اشعر بالرضا و الفرح , أشعر أنني انتقمت من جدي و قتلته , كنت اعلم تماما أنني اقتله مع كل دمار اسببه لأحد هؤلاء , و كنت استمتع بقتله و تعذيبه مع كل تدمير اسببه لواحد من جنسه البغيض ... أتلذذ كما يتلذذ طفل بأكل الحلوى .
أعود بعدها لمنزلي لتختفي مشاعر النشوة بمجرد أن تضمني جدران منزلي و أرجع طفلة لم تتجاوز العاشرة و اسمع صوت أمي و هي تردني عن الحمام فينفلت شعوري بالقذارة ليطال كل شئ حتى الطعام , و أعاف كل شئ و امضي إلى سريري و بمجرد أن أخبئ جسدي في وحشة ظلامه أعود لأشعر بأصابع جدي تلتف حول رقبتي فأصرخ دون صوت من جديد .


المدينة السعيدة

لبنى ياسين ـ دمشق

سموها المدينة السعيدة لأن كل الإحصائيات تقول أن جميع سكانها من كل الأعمار موفوري الصحة , أغنياء .. مقتدرين يسافرون كل سنة إلى أنحاء العالم للتنزه الباذخ , موظفي الإحصاء كانوا يمرون فقط في شوارع هؤلاء لأجل أن يتوخوا الدقة و الأمانة في تلك الإحصائيات , إذ أن فئة العبيد و العمال لم تحسب يوما من مواطني هذا المدينة السعيدة فكيف سيتم حسابهم في الإحصاء و خلطهم مع العرق الأزرق الملكي ... بالطبع هذا كان منافيا لاقل حصافة ديبلوماسية ممكن أن يتمتع بها مكتب الإحصاء , و للحق لم يكن ذلك المكتب ليرتكب هذا الخطأ الفادح فيخلط بين الأسياد و العبيد أو بين البشر و الحثالة .
على انه و في الضوا حي البعيدة لتلك المدينة أقامت حكومة البلاد الحكيمة أنفاقا لا ترى الشمس ملتوية التواء ثعبان ضخم ينوء تحت جدرانها كل من قال لا أو رفع عقيرته باعتراض صغير مهما كان نوعه حتى و لو كان على كمية الملح في الخبز فذلك كان يعد تدخلا سافرا في الشؤون السياسية للبلد و التي لا يمكن أن يفهمها أو يقوم عليها شخص من الرعاع , لذا و لصالح البلد و لأجل ازدهاره و أمان و سلامة شعبه , عفوا ( نسيت من هم شعبه بالضبط) , و لاجل أن يظل الشعب موفور الصحة سليم البنيتين الجسدية و النفسية , كانت سياسة الدولة الحكيمة تجمع كل من فتح فمه لأي سبب غير الأكل و ترمي به في ظلام إحدى تلك السراديب .
استفاق الناس ذات يوم ليروا إجراءات أمنية غير متوقعة و تدابير غريبة تأخذ مكانها في الشوارع الفاخرة للمدينة , تلك الشوارع التي يعترف بها مكتب الإحصاء , نظر الناس في عيون بعضهم دهشة لكن أحدا منهم لم يجرؤ على السؤال فظل السؤال معلقا على لهاة الناس و قد كمت دونه الأفواه لئلا لا يتسرب شيئا منه سهوا , بانتظار جواب يذيب دهشتهم إزاء منظر كهذا .
لم يلبث السؤال أن عقد قرانه على إجابته عندما و بعد أن أقيم سور متين من المتاريس الأمنية حول المناطق الفاخرة اصدر الملك الحكيم قرار (في الحقيقة لم اعد اذكر إن كان ملكا أو إمبراطورا أو شاها أو حتى رئيسا ) .
مفاد هذا القرار يقضي بفتح باب السراديب و إخلائها من الطبقة الدنيا و العبيد لتحويلها إلى متاحف على أن يتم اختيار بضعة نماذج من هذه الفئات و تحنيطها و جلب محنطات و نماذج لكائنات أخرى لافتتاح متحف هو الأول من نوعه في تلك البلاد .
و عندما خرج المسجونون من السراديب إلى المدينة لشد ما كانت دهشتهم عندما وجدوا سورا كبيرا يشبه الأسوار التي كانت تحاصرهم في السراديب يحيط بالمدينة من الخارج له باب واحد فقط لا يغلق و يفتح إلا بأمر السلطان شخصيا (هل كان سلطانا؟؟) و لا يخرج أحد من تلك البوابة حتى و لو كانت نملة صغيرة إلا بإذن شخصي منه يصادق عليه مجلس أمن الأمة الذي انتخب خصيصا لاجل هذا الغرض ... الغريب أن لا أحد يعرف من انتخب هذا المجلس , و رأوا سورا آخر أمنى يحيط بمناطق سكن الأسياد يمنع عبوره لغير العاملين في الخدمة إلا بتصريح ... لكن اكثر ما أدهشهم أن الشمس كانت تبدو اكثر وضوحا من ذي قبل .
********************************

‏2005‏‏-‏07‏‏-‏31‏
رســالة من خائــنة
لبنى ياسين
ylubna@hotmail.com

صديقتي ... أعلم انك الآن تلعنينني ألف لعنة و تصبين على شبحي ألف تميمة غدر تصمينني بها ... و الحق معك .
أكره نفسي كلما فكرت بما فعلته بك , لكن هل اطمع في بقية من سعة صدرك التي اعرفها فتكملي قراءة رسالتي.
كنت اعتقد مثلك أن الدنيا لونان فقط ابيض أو اسود , صواب و خاطئ , حلال و حرام , عيب و مسموح , كنت أجالسك و زوجك و أنا لا أرى في زوجك الرجل بل أرى زوجا لصديقتي لا غير, شـيئاً يشبه غمامة مشاعر أخوية تظلّـل صحراء الحياة فينهمر دفء المشاعر مطرا لطيفا ربيعيا على قحط حياتي و تنتابني لحظات ود ليس كمثلها شئ في الدنيا .
و مع الوقت العصيب الذي مررت به خلال مرضك , و جلسات العلاج الكيميائي و أوجاعك المدمرة , كنا نذوي معك شيئا فشيئا , كان اكثر حزنا مما تتصورين , دموعه كانت تنهمر بصمت فتذيب قلبي , و بحكم غرفة الانتظار و ساعات الوقوف بجانب سريرك المتألم , نشأت بيننا حوارات صامتة , حوارات أخبرتني بأن روحا متألمة تقبع في جانب بعيد قصيّ لرجل يطلب الرحمة , ما فكرت يوما بأن احبه .. اقسم لك بأني ما فكرت لحظة واحدة بأن احبه , لكن لقاء الأرواح أثمر عن جنين الحب الذي كبر و نما و أنت في غفلة المرض , أمسكت أحاسيسي .. ربطتها عنفتها .. قتلت نفسي ألف مرة .. تهربت منه .. أبعدت عيني عن عينيه و رحت اخفف من زياراتي لك فتلومينني بكلماتك المبطنة قائلة : هل مللت من الجلوس في غرفة الموت و في حضرته ؟
لم يكن بمقدوري أن اعتبرك كما كنت دوما صديقتي المقربة فابوح لك بمكنونات قلبي... بأحاسيس ذبحت إخلاصي لك قربانا لعينيه , كيف أقول لك أن مشاعري خانتك و هي تمطره وابل حب جعلني لا أستطيع أن ارفع عيني في وجهه لئلا تصافحه مشاعري , ألم أكن أدرك أن مشاعر كهذه ليست من حقي ؟؟ بالطبع كنت أدرك خصوصا و أنت حبيبة العمر و ربيبته على سرير الموت تصارعينه و يصارعك.
سامحيني لو اعترفت لك بأنني للحظات كنت أتخيل انك ... لا سمح الله , فيباغتني شعور بالارتياح لاستفيق منه مثقلة بالشعور بالذنب , كيف اشرح لك أنني ما تمنيت لك الموت يوما لكنني تخيلته غصبا عني . قفز إلى مخيلتي عنوة فكنت كأم تتخيل موت طفلها ؟؟ هل تتخيلين أن أما تتمنى موت صغيرها ؟, صدقيني يا غاليتي أنى ما تمنيت الموت لك بقدر ما تمنيته لنفسي المعجونة بالخطيئة و الخيانة.
هل يكفي أن نحترق بنيران الألم و أن نذبح مشاعرنا في محرقته حتى نتطهر من خطايانا؟؟ هل صحيح أن الدموع تغسل الخطايا و تكون قربانا للغفران أم أن ذلك مجرد أسطورة اختلقها الإنسان لكي يتصالح مع نفسه الخاطئة؟؟؟
بعدها بدأت اشعر انك تقلبين نظرك بيني و بينه , أدمتني نظراتك التي اخترقت خيانتي حتى العظم , ماذا أستطيع أن افعل ؟ كيف أصارحك بالانشطار الذي أعانيه لتعفيني من زيارتك اليومية ؟ للحظات كان يخيل إلى انك تعرفين كل شئ .. و اذهب بعيدا في رجائي الخائب لاسرح في فكرة سخيفة مفادها انك تباركين مشاعري فاستيقظ من خيالي هازئة من نفسي التي بعتها للشيطان .
كانت الطامة الكبرى عندما رن الهاتف و أنت نائمة بعد موجة ألم اكتسحتك فأغرقتك في بحرمن التأوه فنمت بعدها بصعوبة بالغة و أنفاسك صدى مد و جزر شرسين .. تسابقت يدانا إلى الإمساك بسماعة الهاتف لإيقاف صراخه المحموم فامسك يدي التي سبقته إلى السماعة دون قصد , صدقيني كان بإمكاني أن ارى الشرر يتطاير من بين كفينا و من عيوننا و من سائر جسدينا فافلتـنا السماعة معا في لحظة واحدة لترتطم بالأرض و توقظك , عندها سللت من عينيك ألف خنجر و طعنتني بها كلها في لحظة واحدة من خلال نظراتك المغرقة في استفهام مغلف بارتياب واضح .. بقيت يومها عندك لدقائق أخرى في محاولة لإخماد الحرائق التي اشتعلت في كل مكان في الغرفة ثم استأذنت في الذهاب .. لم يمنعني أحد منكما و كأن العبء الذي كان قد جثم فوق قلبي من وجودي بينكما في تلك اللحظة كان يجثم فوق قلبيكما أيضا .. خرجت من الغرفة و أنا لا ادري أهذا صباح أم مساء؟؟ و من أين و إلى أين أسير؟؟ و ماذا افعل؟؟ , نيران الحب تستعر بي و زوابع الغدر تمزقني فاتشظى ألما , و عيناه ... آه من عينيه , وحدها فعلت بي ما يفوق كل ذلك .. مضيت و أنا اشعر بأن كفه ما فارق كفي منذ امسكنا السماعة , كنت أتفقد موضع كفه كل لحظة و أنا ابتلع ظمئي في حلق تقرح من كثرة الجفاف , أي ارض تستطيع رفض المطر ؟؟ أي كائن يقف في وجه الشمس و لا يحترق ؟؟ ماذا أقول صديقتي ؟؟ كيف لي أن اشرح لك ما عانيته لئلا تندلق مشاعري مني أمامه فاوصم بخيانة اعز صديقة لي؟؟ كيف لي أن أفسر وجع الروح و أنا لا أستطيع حتى أن أشكو أوجاعي لصديقتي المقربة و اخبرها بما أكتوي به ؟؟
سامحيني صديقتي فلن أقوى على زيارتك بعد اليوم إلا في غيابه .. و لا تلوميني فذلك صار فوق احتمالي .
طويت الورقة و مضيت باتجاه المشفى , و ألف فكرة تغتصب تفكيري , أمن الحكمة أن أعطيك رسالة كهذه و أنت على سرير الموت تحتضرين ؟ و إن لم أعطها لك كيف سأحتمل نظراتك الحبلى بارتياب واضح ؟؟ كيف سأغيب دون أن تلوميني ؟؟ أنا اعلم انك تقرئين أفكاري بمجرد أن تنظري في عيني ... لم اعد أقوى على النظر إليك و أخشى انك تعتقدين أن بيننا علاقة ما ...
تعمدت كعادتي أن اذهب إليك أثناء دوامه في العمل علي اخفف احتكاكي به و احتقان المشاعر في داخلي لمجرد وجوده في نفس الأفق الذي اشغله, و إذ وصلت كانت غرفتك فارغة و السرير مرتب بانتظار قصة ألم لإنسان آخر يرقد فوق جثمانه الأبيض , انتزع قلبي من مكانه عندما لمحته في زاوية الممر يتقدم باتجاهي و على وجهه آثار أخبار سيئة , وددت لو أضع أصابعي في أذني و أهرول خارج المبنى قبل أن ينطق بكلمة مما يريد أن يفصح عنه , آثار الدمار كانت واضحة على محياه و لم ادر بنفسي إلا و أنا بين ذراعيه ابكي , و لم ادر اكنت أبكيك أم ابكي خيبتي في نفسي و أنا عاشقة لزوجك أم أبكي حبا يستعر في فؤادي .. لم يتكلم , كانت دقات قلبه تتغلغل في أذني بينما كانت دقات قلبي قرع طبول لحرب ضروس ضد قلب لم يستطع أن يحتمل وجودكما معا في طيات انتمائه , معادلة صعبة : إما أنت أو هو ؟؟
حتى بعد أن انتفلتِ إلى رحمة الله لا يزال المكان لا يتسع لكليكما إذ أنني أتخيلك تقفين بيني و بينه تنظرين إليّ تلك النظرات الحبلى بلوم مرير ... و كيف لا تفعلين و أنا صديقة عمرك التي أحبت زوجك؟؟
دون أن يتكلم وضع في يدي ظرفا لم يكن عليه إلا كلمة واحدة ... اسمي ... توجست خيفة مما فيه , انه خطك .. شئ مفروغ منه .. ما الذي وضعته داخل الظرف ؟ أتراها ـ و على غرار ما فعلته اليوم أنا ـ رسالة تلومينني فيها و تخبريني بأنك كنت تقرئينني كما فعلت ِ دوما بمجرد أن تنظرين في عيني ؟ أتراك تقولين لي كيف تجرأت و فكرت به و أنا أمامك أتلوى على سرير الموت يعتصرني الألم و ينتهك حرمة جسدي و أنت تـنتهكين حرمة مشاعري و تنافسينني على مشاعر زوجي ؟ أتراك تخبرينني بمدى خيبتك بعد أن خانتك صحتك و تخلت عنك فاستلقيت على أعتاب الموت شهورا طوالا تعانين ما تعانينه والقدر قد استكثر عليك صحتك و أنا استكثرت عليك مشاعر زوجك في أيامك الأخيرة ؟ ماذا عساك كتبت في رسالتك؟؟ ... أأتجرأ و أفكر في انك كتبت لي انك تسامحينني على ضعف قاومته حتى ماتت روحي ؟ تراك فكرت أو شعرت بذلك ؟
كنت ارتجف و دموعي تهطل من عيني شلال ألم و خوف و ندم حينما نظر إلي و الألم يرسم خرائطه البشعة على ملامحه قائلا : افتحيه ماذا تنتظرين ؟؟ أم انك ترغبين ببعض الخصوصية ؟؟
لم اجبه , فكرت في نفسي : صعب أن تعريني الحقيقة أمامه فبعض الخصوصية اذن... و جريت باتجاه الحمام النسائي , و عندما فتحت الظرف وجدت في داخله ... خاتم زواجك منه .


‏2005‏‏-‏05‏‏-‏15‏

لست بأنثى


منذ نعومة أظفاري و أنا ارتدي ملابس الصبيان , العب ألعابهم, أتشاجر و اشتبك معهم كما يفعل الصبيان تماما , استمتع باللعب بالبلبل و الكرات الزجاجية بل و أتفوق بلعبها على اعتى الأولاد , حتى اعتاد الجميع على مناداتي برامي بدلا من رامية و تندر الأهل و الأقارب على تصرفاتي الصبيانية , و كثيرا ما سمعتهم يهمسون لامي (بكرة بتكبر و بتوعى و بتصير بنت).
و عندما بدأت أخطو نحو الثالثة عشر من عمري تجمع سحاب القلق على سماء أمي و حاصرني ببرقه و رعده و أمطر وابلا من الاستفسارات والتساؤلات ذلك أن تضاريسي لم تظهر بالشكل و الحجم الذي يرضي أنوثة أحلامها , فجرت بي إلى الطبيب الذي طلب منها أن تجري لي تحاليل لها أول و ليس لها آخر , و قام طبيب التحاليل بسحب عينات من دمي و طلب عينات أخرى من البول لاجل تلك التحاليل اللعينة التي أصابتني بغثيان الملل و هو يحدجني بنظرات أشبه ما تكون بازدراء لأنوثة لا املكها و ذكورة لا يعترف بها أحد سواي , نظرات لم ترقني البتة.
و ما أن أحضرت أمي نتائج التحاليل و ألقى الطبيب عليها نظراته المتفحصة حتى قال مستبشرا و على فمه ابتسامة نصر ساحق : لا تقلقي ... ليس ثمة خطب في الفتاة ... إنها مسألة (ولدنة) و ستتلاشى وحدها مع الأيام.
نظرت إلى تقاسيم وجهه بغضب, أردت أن الكمه على انفه المتعالي , هل تستطيع بضعة تحاليل غبية و شخص لا يعرف عني شيئا أن يقرروا أدق خصوصية في هويتي الشخصية اكثر مني أنا ؟ و ما أدراه هو ؟و كيف علم أني فتاة طبيعية على حد قوله ؟
فتاة!!!و أنا لا أشبه الفتيات في شئ , كل مشاعري لا تبت للإناث بصلة..كل تصرفاتي لا تشبههن في شئ... و هو يقول : ليس ثمة خطب ... يبدو أن الخطب في عينيه... بل في عقله ... نعم لن يكون هناك خطب في حال تم إخضاعي لعملية تستكمل فيها تفاصيل ما أنا عليه من ذكورة .
و استطلت اكثر و استدارت بعض تفاصيلي قليلا لكنني بقيت رامي كنت احبس رامية بين جدران منزلي و أعيش طبيعتي خارج جدران المنزل و المدرسة و يحدث أن اضطر لحل وثاق الفتاة ضمن تلك الجدران قليلا لكن شكلي كان يفضح طبيعتي التي وددت لو تصبح هويتي المتعارف عليها و لكن كيف؟؟ ذلك هو السؤال الذي كان يلتهم أعصابي ببطء فاضح.
ذات يوم دخل أبى المنزل كعادته عائدا من العمل فوجدني أمامه ارتدي بيجاما صبيانية , فما كان منه إلا أن صفعني بقوة صارخا : لن أراك ترتدين شيئا صبيانيا بعد اليوم فهمت؟؟؟ أنت فتاة فتصرفي على انك كذلك.
راعتني صفعته , رفعت نظري إليه كان يحدق بي , لم ابك كما تفعل الفتيات عادة إنما صرخت في وجهه : هل تظن أن ارتداء ثوب نوم نسائي سيحولني إلى فتاة ؟؟...
ثم أكملت بدون صوت : لم لا تجربه بنفسك و تخبرني ... هل سيتغير جنسك إن غيرت ثيابك ؟؟
و بدت لي جملة عقيمة غبية , فهي ستضع الكرة في ملعبه ليعيد لي الجملة بمنطق مقلوب .
أنا فتى ... كل مشاعري ...كل حركاتي...كل سكناتي ...كل رغباتي تؤكد هوية الذكر في داخلي .
أصدقائي ماهر و احمد و صالح يعرفون قصتي بحذافيرها , أزورهم خلسة دون أن يشعر والدي متذرعة بذهابي إلى إحدى صديقاتي في المدرسة, و لا يعرف أحدا من أهلهم أن القادم شخصا غير رامي, اخرج معهم إلى الشوارع لنطارد الفتيات, لم يسبق أن شعر أحدهم باني أنثى أو تحرج من وجودي أو أبدى أي لفتة تشعرني بغربتي عنهم , تلك كانت سويعات عمري الذي احتسبه و أعيشه على طبيعتي ...دون تكلف أو خوف من صفعة أو ملاحظة جارحة تنقض على كياني فتحيل نهاري إلى بؤرة تعاسة لا متناهية ,و قد اخذ أصدقائي على أنفسهم عهدا بمساعدتي بكل طريقة ممكنة عندما يحين الأوان لأجراء عملية تعديل تعيد لي حقوقي في هوية شخصية يرفض جميع من حولي الاعتراف بها .
صعبة هي الحياة و أنا لا أجد من يفهمني أو يسمعني , الكل يكيلون لي نصائح فضفاضة ليست على مقاسي ... لا تشبهني البتة و المصيبة أنها تبدأ دوما بكلمة (يا ابنتي ) فاتمنى من قلبي أن تنزل صاعقة من السماء على تاء التأنيث فتلغيها و تلغي عذابي معها و لكن من أين تأتي تلك الصاعقة ...لست ادري ... ربما من غلياني عندما تبدأ اسطوانة يا ابنتي بالدوران فيدور رأسي معها متمنيا موتا لا أجده.
أصبحت في الثامنة عشر...و انسياب الزمن على عمري لا يحول فيّ شيئا و لا يغير في قناعاتهم و رؤيتهم لي ... ما زلت أنا أنا...شاب في مقتبل العمر يظن المقربون انه فتاة متمردة و يعلم حقيقتي الغرباء فقط ... يوقفني رجل في الطريق يسألني كم الساعة يا أخ فأود أن اخلع له ساعتي عرفانا , تستعطفني امرأة فقيرة (الله يخليلك شبابك يا بني) فاود أن أهبها روحي و هي تعترف بهويتي و أتمنى أن اشكرها لكنني ابتلع شكري في اللحظة الأخيرة ليتحول إلى ومضة فرح تبوح بها عيناي.
عدت اليوم من المدرسة لاجد منزلنا يغص بورشة تنظيف غير عادية , فأسرعت إلى غرفتي هربا من واجبات ليست على مقاس تطلعاتي و ما هي إلا دقائق حتى وافتني أمي و في عينيها بريق غريب و على شفتيها ابتسامة لم افهمها و قالت : رامية حبيبتي ...عائلة صيداوي آتية اليوم لزيارتنا ...
توقفت أمي و شعرت بأن ثمة تتمة ما للجملة المبتورة التي قذفتها في وجهي لا تجد طريقها العاثر إلى فمها.
أكملت انهم يخطبون لابنهم و هو مهندس وسيم الشكل طيب السمعة ...و يريدون أن يروك من اجل ذلك فتجهزي الله يرضى عليك...
للحظات فقدت إدراكي تماما لدى إشارتها إلى أن الزوار قادمين لأجل الخطبة ...كل ما خطر في بالي أن أختي ربى متزوجة و دانية ما زالت صغيرة ... لم يدر في خلدي مطلقا أنى سأواجه موقفا كهذا في يوم ما.
قلت لها : لن اخرج يا أمي ... أنا لست فتاة ...كيف تريدين تزويجي من شاب و أنا شاب ...حرام عليك.
تدافعت الدموع في عينيها و خرجت من الغرفة دون أن تنبس ببنت شفة .
أردت الخروج من المنزل مستجيرا بأصدقائي لكن أبي منعني و صرخ قائلا : سترتدين ثيابك و ترينهم ...آن الأوان لتتصرفي كالفتيات و إلا سأقتلك و ارتاح منك ... يبدو أننا دللناك حتى أفسدناك تماما .
دخلت إلى غرفتي ...دفنت نفسي في سريري و عزمت أن لا أقوم منه إلا إلى القبر , لكنني فوجئت بذراعي أبي تزيح الغطاء عني و الشرر يتطاير من عينيه وهو يهمس بصوت غاضب يبتلع حدة ارتفاع نبرته بالصرّ على أسنانه: الناس في الخارج ينتظرونك ...ارتدي ثيابك و تأنقي ... أمامك عشرة دقائق لتكوني مزروعة أمامي في غرفة الضيوف .
لم اعرف ما الذي بوسعي أن افعله , لم يعتد أحدنا في الـــمنزل ـ حتى أخي الكبير المعترف بهويته رسميا ـ على عصيان أمر لوالدي مهما كان صغيرا ... و لان أحدا منا لم يفعل ذلك مسبقا , فأنا لا اعلم ما الذي يمكن أن يفعله بي بالضبط إن أنا تمردت و لم اخرج.
ارتديت ثيابي على عجل و أنا اشعر بنيران الغضب تخرج من كل أنحاء جسدي ... لم لا يريدون أن يروني كما أنا... لا كما يحبون؟ ... لماذا علي أن أتطابق و مواصفاتهم لا وطبيعتي و نفسي؟ ... كيف بإمكاني أن افصل هويتي على مقاس معرفتهم السطحية لي و أن أنكر إدراكي العميق لذاتي؟ ... لم لا يشعرون باني لست بأنثى...لست بأنثى .
خرجت من غرفتي باتجاه غرفة الضيوف و قد أعماني الغضب و ما أن ولجت الغرفة حتى تدورت عينا أبي و شهقت أمي و هرولت حواجب الضيوف للأعلى دهشة ... كانت تلك المرة الأولى التي يراني فيها أهلي و أنا بكامل أناقتي... ارتدي زيا رسميا و أضع ... ربطة عنق.



حديث الأغنياء
لبنى ياسين
تقول لي أمي الفقر ليس عيبا!!!
وما هو إن لم يكن عيبا؟؟ اهو تاج أضعه فوق رأسي وأتبختر بطيفه المثقوب كقلبي والمرقع بألف لون كثيابي التي لا اخلعها؟؟وما العيب إذا؟؟ربما كان العيب أن انزل من سيارة فارهة يلتمع طلاءها الجديد تحت وطأة الشمس تاركا السائق يجد لطولها وعرضها الفائقين مكانا يليق بهما,بينما أتهادى أنا بجلالة قدري داخلا إلى شركة امتلك جل ما فيها ومن فيها,فيهرول الكبير قبل الصغير ليحمل لي الحقيبة الفاخرة التي في يميني ويضغط مفتاح المصعد خوفا على أصبعي المدلل أن تنال من رقته ضغطة زر...هذا هو العيب إن لم يكن الفقر عيبا.
أن أكون فقيرا معدما...فذلك قدري واستطيع احتماله كما احتملت النوم ومعدتي خاوية تزأر زئير الأسود دون أن القي بالا لها...لا لا تعتقدوا أن ذلك بسبب الفقر ...كلا أبدا انه نوع من الحمية المطبقة قسرا على جيوبي ومعدتي وجل حياتي...احمد الله أن الهواء لا يباع ويشترى وإلا اضطررت لإتباع حمية تنفسية أيضا...أين كنا؟؟؟حسنا كنت أقول إنني استطيع احتمال فقري وجوعي وضيق ذات اليد فذلك قدري...شحاذ ابن شحاذ, لكن ما يفقدني أعصابي فعلا هو تلك الجمل التي يلقنوها لنا...(الفقر ليس عيبا)..ولو بحثت عمن أطلق هذه العبارة لوجدته ينام في قصر منيع,ذلك أن الفقراء لا يفكرون كثيرا بالفقر...اقصد لا يفكرون به إن كان عيبا أم لا,ولم سيفكرون فيه وهم إن قرروا انه عيب فقد عابوا أنفسهم, وان قرروا انه فضيلة لم يجدوا مبررا لتذمرهم منه, ومحاولتهم للتخلص من طيفه بأي طريقة ...في الحقيقة هم يعتقدون كما اعتقد أنا... انه قدر...قدر لا غير,أما إن كان عيبا أو حراما فلا اعتقد أن هناك من حاول أن يفلسف الأمور إلى هذه الدرجة من بني جلدتي الفقراء, وحسب تصوري...أقول حسب تصوري الشخصي لكي لا يذهب كلامي مثلا ,إن هذه العبارة رأت الضوء ...حسنا ...ليس الضوء إنما الهواء لان الصوت عادة ينتقل بالهواء..ماذا كنا نقول؟؟؟العبارة خرجت للمرة الأولى في إحدى الولائم الكبيرة عندما أتى احد الفقراء يستجدي طعاما لعائلته من أولئك الأثرياء الذين يأكلون بالشوكة والسكين بمنتهى البراعة, فوجدوا فيه مهرجا ومادة جديدة للضحك ما ألفوها, ومضوا يسألونه عن حاله ولماذا يتسول؟؟ولم لا يعمل؟؟من المؤكد انه قال لهم انه فقير ولم يجد له عملا يسد رمقه فاضطر إلى التسول,عندها تشدق احدهم...ربما.. قائلا الفقر ليس عيبا إنما العيب في التسول, لم تفهموا الفكرة؟؟ طبعا أراد أن يصرف المتسول دون أن ينزع من جيبه قرشا ولا من ضميره لحظة ذعر أو إزعاج فقال هذه العبارة التي فعلت فعل السحر في ضميره وضمائر ضيوفه...قد لا يكونون ضيوفه,ربما كان هو الضيف ...لكن المهم أن العبارة أتت أكلها فانصرف الرجل بخفي حنين, بينما ظل القوم يتشدقون بان الفقر صفة نبيلة عندما يلزمها التعفف, من السهل أن تتكلم عن التعفف وأنت أمام وليمة تغص بما لذ وطاب من الطعام ومعدتك تستغيث من التخمة,بل ربما تعمد أصحاب البطون الممتلئة التحدث في الفقر والجوع لان الحديث عن الطعام وأنت في حالة تخمة قد يجعلك تشعر بالتقزز والغثيان...ومن أين لي أن اعرف هذا؟؟؟لا ادري...إنها مقاربة فقط فعندما نتلوى جوعا نستلذ بالحديث عن الطعام...إذا لا بد أننا حين نتخم نستريح بالتحدث عن الجوع.
بمناسبة الجوع:أمي...هل لدينا كسرة خبز؟؟؟
ما اغباني ...نسيت أن أمي ماتت منذ أيام ,بسبب سوء التغذية المزمن الذي ادخلها في غيبوبة سببها انخفاض حاد في الضغط أدى إلى وفاتها.